توقعات لبريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي

توقعات لبريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي

الأحد - 19 جمادى الأولى 1442 هـ - 03 يناير 2021 مـ رقم العدد [15377]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

هل طوت بريطانيا وأوروبا صفحة سطورها 48 عاماً، وبدأت صفحة جديدة في فصل آخر من قصة قرون من الصراع والتعاون والفتور والبرود مع أوروبا؟
تغطية الشبكات الكبرى لا تعكس الصورة الحقيقية بتركيزها علي المكاسب والخسائر من الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. وعندما يتذكر المذيعون أن عضوية المملكة المتحدة انتهت في الحادية عشرة مساء بتوقيت غرينتش مع نهاية عام 2020، بعد توقيع اتفاقية ترتيب العلاقة بين الطرفين والتجارة، تتغير النغمة. وبدلاً من معالجة توقعات مرحلة ما بعد الاتفاقية بحيادية تقديم تقديرات النظر المتعددة، يركز الصحافيون على السلبيات، كاتجاه اسكوتلندا للانفصال عن المملكة المتحدة. وهو أمر، كأي احتمال آخر، في الأنظمة الديمقراطية، يتقرر بانتخابات تحدد الأغلبية، والاحتمالات دائماً 50 - 50، مثل لعبة العملة النقدية، إما الصورة وإما الرقم.
انفصال اسكوتلندا عن بريطانيا، شعار ترفعه زعيمة «الحزب القومي الاسكوتلندي» الوزيرة الأولى، نيكولا ستيرجين، وهي آيديولوجيا لا سياسة عملية في الوقت الحالي؛ لكن بعد أن تهدأ زوبعة الـ«بريكست» والخلافات العقائدية، سيرتبط الأمر لدى الناخب الاسكوتلندي بالمصالح الاقتصادية ومطالبه المعيشية، وبالتالي تتعلق بملاحظتي بشأن حيادية تقدير توقعات ما يحدث في 2021 والأعوام القادمة. انتخابات برلمان اسكوتلندا ستجري في شهر مايو (أيار) هذا العام، أي بعد أربعة أشهر تبحر فيها السفن في محيطات الاقتصاد والتجارة.
ومثل وستمنستر وبقية برلمانات بلدان المملكة الثلاثة (آيرلندا الشمالية، وإمارة ويلز)، فإن «هوليروود» (برلمان اسكوتلندا)، ومقاعده الـ129 تجري فيه الانتخابات كل خمسة أعوام، آخرها كان في 2016، فقد فيها «الحزب القومي الاسكوتلندي» أغلبيته، واستمرت زعيمته ستيرجين في الحكم، بوزارة أقلية، من 61 مقعداً، وزاد «المحافظون الاسكوتلنديون» مقاعدهم إلى 30، كثاني أكبر حزب، يليهم «العمال الاسكوتلنديون» بـ23، و«الديمقراطيون الأحرار» بخمسة مقاعد، وبلا أصوات «الخضر الاسكوتلنديون». الخمس، لا تستطيع الوزيرة الأولى تغيير أي شيء، وهي أصوات غير مضمونة.
الاستقلال تسبقه خطوة استفتاء جديد، فاسكوتلندا صوتت بنسبة 55 في المائة في استفتاء 2014 على الاستمرار في العمل بقانوني عام 1707 اللذين صوَّت عليهما برلمانا اسكوتلندا ووستمنستر، لتكون للأخير سيادة البلدين الموحدين. القانونان كانا للتصديق على معاهدة 1706 باتحاد إنجلترا وويلز (إنجلترا وويلز توحدتا بقانونين في عامي 1535 و1542) لتكوين بريطانيا العظمى (العظمى تعني الجزر الأكبر من مجموعة الجزر البريطانية)، ثلاث سنوات بعد توحيد تيجان البلدان الثلاثة بتتويج جيمس السادس، وكان ملك اسكوتلندا، ملكاً لبريطانيا الموحدة. المملكة المتحدة تكونت في 1800 بتوحيد بريطانيا العظمى مع جزيرة آيرلندا التي بقيت منها آيرلندا الشمالية باستقلال الجمهورية الآيرلندية في معاهدة 1921.
حسب قوانين 1707 ومعاهدة 1706، وقانون الحكم الذاتي في 2009، لا تستطيع حكومة اسكوتلندا وحدها إجراء استفتاء بشأن الاستقلال، إلا بقانون يصدره برلمان وستمنستر.
البعض أشار إلى أن الزعيمة الاسكوتلندية قد تقامر بإجراء الاستفتاء، إذا تمكنت من تمرير مشروع قانون في «هوليروود»، ثم إحراج الحكومة الاتحادية في وستمنستر، مثلما حدث مع كاتالونيا في إسبانيا؛ وستيرجين تراهن على أن العنف الذي استخدمته الحكومة المركزية في مدريد لن تشهده بريطانيا؛ وربما اللجوء للقضاء لغياب سابقة دستورية.
لكن الخطوة الأولى تتطلب فوز «الحزب القومي الاسكوتلندي» بأغلبية مريحة في انتخابات شهر مايو.
الزعيمة الاسكوتلندية ديماغوجية شعبوية، تضع الشعارات قبل السياسات والمصالح الاقتصادية؛ لكنها تنتمي لزعماء من نوعية العقيد الراحل معمر القذافي، فأصبحت أسيرة شعاراتها، وسجنت نفسها سياسياً في زنزانة شعار الاستقلال. وظل حزبها «القومي الاسكوتلندي» في وستمنستر (ثالث أكبر حزب بـ47 عضواً) يتهم رئيس الوزراء المحافظ بوريس جونسون بالعداء لأوروبا، والخروج بلا اتفاق؛ لكن عندما طُرح الأمر للتصويت على الاتفاق (وهو الأكثر اتساقاً وتعاوناً مع بروكسل عن المتوقع) صوَّت «القوميون الاسكوتلنديون» ضد الاتفاق؛ لأن الحزب وزعيمته أسرى شعار الاستقلال.
لكن الشعار وحده بلا تقديم برنامج اقتصادي ناجح لن يكفي لتفوز ستيرجين وحزبها بالمقاعد الكافية في الانتخابات، وهي تراهن على فشل السياسة الاقتصادية لجونسون بسبب الـ«بريكست». المواطن الاسكوتلندي يتمتع بخدمات تزيد 20 في المائة للمواطن عن نظيره في إنجلترا بفضل الدعم من الخزانة المركزية في لندن. وتعافي الاقتصاد البريطاني من وباء «كوفيد - 19» في الأشهر القادمة، سيحرم «الحزب القومي الاسكوتلندي» من أغلبية برلمانية في «هوليروود»؛ لأن قطاعاً معتبراً من الاسكوتلنديين سينظر للاقتصاد قبل الشعارات.
في اليوم الأخير من عام 2020 توصلت بريطانيا إلى اتفاقيين بالغي الأهمية (بجانب 60 اتفاقاً تجارياً آخر مع بلدان العالم): الأول مع إسبانيا بشأن جبل طارق، والثاني مع بلدان الاتحاد الأوروبي الـ27. اتفاق جبل طارق، وهي تابعة للتاج البريطاني، أن تظل منطقة الجبل ضمن اتفاق «شينغن» لحرية مرور الأفراد بلا تأشيرة دخول.
السبب هو الاقتصاد، فبجانب فائض في الميزان التجاري قيمته 13 مليار دولار لصالح إسبانيا، واستثمارات 55 مليار دولار (14 في المائة من اقتصاد إسبانيا) في البنوك والأعمال البريطانية، فإن أكثر من 15 ألف إسباني يعولون أسراً يعملون في جبل طارق يومياً، ومستواها المعيشي أعلى من مثيله في إسبانيا التي يقطنها مليون بريطاني (285 ألفاً منهم يمتلكون عقارات ثمينة في الجنوب) ويشكل البريطانيون ربع عدد السياح إلى إسبانيا، وينفقون 16 مليار دولار سنوياً. وضعت إسبانيا الاقتصاد قبل السياسة الموحدة التي أظهرها المفاوض الأوروبي، بتوقيع اتفاق ثنائي بلا رجوع إلى بروكسل. في آخر أيام السنة، توصل وزير المواصلات البريطاني غرانت تشابس إلى اتفاقية مع البلدان الـ27 بصلاحية رخصة القيادة البريطانية فيها، بلا حاجة إلى استصدار رخصة دولية. فالأمر يتعلق بملايين السياح والزوار البريطانيين إلى أنحاء البلدان الأوروبية بقدرة إنفاق عالية، ناهيك عن سائقي الشاحنات.
بعد أن تهدأ الزوبعة السياسية، والضغوط من بروكسل، ستذهب بلدان أخرى أبعد من إسبانيا، في التوصل إلى اتفاقيات ثنائية مع بريطانيا؛ خصوصاً البلدان التي يعتمد اقتصاد مناطقها الخالية من صناعات إنتاجية على السائح البريطاني وأصحاب العقارات في مناطق جبلية وريفية، وإنفاقهم ينعش السوق. فمثالاً لا حصراً، هناك 45 ألف بريطاني يعيشون في جزر اليونان، وأكثر من 60 ألفاً في بلدان أوروبا الشرقية الفقيرة كرومانيا وبلغاريا، وعشرون ألفاً في بلدان يوغوسلافيا السابقة، وهم جميعاً من الأثرياء.
حكومة جونسون تستطيع استغلال هذه الأوراق بالتعاون مع بروكسل، لا الابتزاز والاستفزاز، فتكسب ما يكفي من الأصوات الأوروبية والاسكوتلندية معاً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة