الحياة في 40 سنتيمتراً

الحياة في 40 سنتيمتراً

الثلاثاء - 19 صفر 1442 هـ - 06 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15288]

حدث هذا قبل سبع سنوات... بوصف آخر: عايشت ما جرى وأنا ابن 4 سنوات في مهنة الصحافة. حينها كنت أمتلك خبرة عام من العمل في قسم الحوادث، ما يجعل من تغطيتي لخبر عن تبادل لإطلاق النار بين الشرطة ومسلحين أمراً يسيراً... فقط سأبحث عما يهم القارئ، وأجيب عن الأسئلة المهنية اللازمة، وكيف انتهت المعركة، وهل هناك ضحايا أو مصابون. سيأخذ الخبر دورته المعتادة قبل أن يجد طريقه للنشر.

آخر ما كنت أتصوره أن أكون هدفاً محتملاً لاشتباك بالرصاص يقع بين طرفين لست على صلة بأي منهم.

40 سنتيمتراً هي المسافة التي جعلها الله سبباً يمنحني حياة جديدة، بعد أن انطلق الرصاص من سلاح أو أكثر، يحمله مجهولون يقفون أعلى منزل يقع في شارع مسدود لا يتجاوز عرضه أربعة أمتار، في بقعة ما في إحدى محافظات جنوب مصر.

لا يستهدف المسلحون سوى إصابة كل من يقع في مرمى نيرانهم، وهكذا كان موقعي، لتستمر المعركة لأكثر من 50 دقيقة، إذ بدأت في نحو العاشرة والنصف من صباح الأربعاء 18 سبتمبر (أيلول) 2013؛ حينما كانت قوات الأمن الواقفة خارج الشارع تبادلهم الرصاص لإنقاذ عناصرها المحتجزين داخل الشارع.

«يجب أن نبني بيوتنا على سفوح البراكين... يجب أن نعيش في خطر؛ لأن الخطورة هي التي تكشف الشجاعة والتحدي والإصرار» كما يقول نيتشه.

كنت والمئات من الصحافيين نتابع عملنا لتغطية الأوضاع الساخنة، بفعل ما جرى في مصر في أعقاب إزاحة حكم «الإخوان» عام 2013؛ لكنني اخترت وبادرت مقترحاً الذهاب إلى إحدى القرى التي برزت أكثر من غيرها بفعل الاشتباكات والتوترات ذات الطابع السياسي والطائفي، وكلها - بطبيعة العمل - كانت مُغريات مهنية.

بالقرب من أحد مساجد القرية التي كانت تنطلق منها المسيرات المناوئة، وقفت وزميلي المُصور، بينما كانت الشوارع خالية من المارة، وفوجئنا بوصول مدرعات عدة وأكثر من سيارة لنقل الجنود، حينها طلب منا القائمون على الحملة المغادرة وعدم التصوير، وبعد نقاش مع أحد القيادات سمح لنا بتصوير القوات في الشارع الرئيسي، وحذرنا من خطورة وجودنا أو تتبع حركة القوات.

واصلت عملي بصحبة زميلي، وعندما دخلت قوات الأمن إلى داخل شارع «مسدود» عرضه يقارب 4 أمتار وطوله نحو 50 متراً، تتبعتهم حتى قطعوه إلى نهايته، فتراجعت إلى منتصفه، بينما كان المصور في الثلث الأول من الشارع، استندت إلى جدار يقع إلى اليسار من الشارع، أحاول الاحتماء من حرارة شمس لا تليق بالعاشرة والنصف صباحاً.

لا تسعفني ذاكرتي لأعرف كيف تحركت بعد سماع صوت الرصاصة الأولى، أو من كان بجانبي، وأين كان يقف المصور، وأين عناصر الأمن... كل ما أعرفه الآن أنني أقف ملاصقاً لبوابة مغلقة لمنزل ما في وسط الشارع، ويبرز إلى خارج الحائط الرئيسي واجهة البوابة الرئيسية (برواز من الطوب لا يتجاوز 40 سنتيمتراً)، بينما وقف إلى جواري شخص يرتدي جلباباً ويحمل مسدساً، ويبدو أنه من الخفراء الذين خرجوا مع الحملة، ولا صوت يعلو فوق صوت الرصاص الذي أشعر باقترابه، وأثره الذي يخرق الأرض.

«مصاب أنا لا محالة»، هكذا أخبرني المنطق؛ فمن يطلقون الرصاص في موقع أفضل، وبجواري رجل مسلح سيكون «مسدسه» هو دليل «عمالته» في قانون المهاجمين، وصك «استشهاده» أثناء تأدية عمله لدى الشرطة، بينما لا أحمل سوى قلم يستقر في جيبي الخلفي، غالباً ما سيسقط عندما يحملني أحدهم مذعوراً بعد إصابتي في أفضل الأحوال.

كل الأفكار والذكريات تتداعى إلى رأسي: صورة أمي، وصوت حبيبتي، يدفعان عن عيني وأذني الطلقات النارية... كلمات مديري في الصحيفة الذي قال لي ممازحاً: «أريدك أن تذهب إلى القرية، ولتركز على محاور (....،....،....) وقد يقُدر لك أن تعود من هناك»... غريب، هل كان يقرأ الغيب؟!

أقف كالمصلوب على بوابة المنزل، أستجمع قوتي لأدفع الباب بجذعي لفتحه حتى اختبئ بالداخل، ولا جدوى... أخشى أن يشعر من يطلق النيران من الأعلى بوجودي. وفي وسط ذلك الرصاص المتبادل بين الشرطة والمسلحين، يصرخ الضباط في جنودهم: «ما حدش يضرب... كله يوقف ضرب»، وينخفض الصوت تدريجياً... عندها شعرت بضرورة التحرك، وشجعني جاري في المخبأ الصغير على الحركة، هرولت عابراً 4 أمتار بعرض الطريق، بعد أن حددت وجهتي في منزل يقع على الجهة الأخرى من موقعي الحالي، يقف بداخله ضباط من العمليات الخاصة، وفور دخولي وجدت جندياً مصاباً برصاصة استقرت في مفصل يده اليسرى، بينما الضباط يطلبون العون من زملائهم بالخارج، حتى ينقذوا المصاب الذي بدأ ينزف بشدة.

استقرار نبضات القلب لا يلائم رهبة الموقف؛ بل إنني ضبطت نفسي أنظر في الساعة لأعرف الوقت بدقة، حتى أستخدمه عند كتابة الموضوع الذي سأرسله للصحيفة. حاولت الاتصال بزميلي المصور الصحافي؛ لكنه لم يرد!

أربعون دقيقة مرت منذ أن انطلقت الرصاصة الأولى... تستمر الاشتباكات، وتنجح مجموعة من ضباط العمليات الخاصة في الخروج بشجاعة من المنزل، ليواجهوا خطر الرصاص المحتمل، قبل أن يطلبوا من المحتمين بالمنزل أن يخرجوا من خلف ظهور الضباط للشارع الرئيسي؛ حيث تتوقف المدرعات. هرولنا جميعاً، وحمل جندي زميله المصاب، وعلى وقع خطواتنا دوت طلقات الرصاص إلى أن وصلنا إلى الخارج.

رأيت زميلي المصور، والذي كان قد نجا من الاحتجاز في وسط الشارع، فاطمأننت؛ لكن طلقات أخرى جاءت من موقع جديد دفعتني إلى أن أجري بصحبة زميلي إلى أقرب منزل مفتوح الأبواب، وبدا أن الأمور ازدادت خطراً.

عشر دقائق أخرى من «الإيقاعات المسلحة»، شربنا على نخبها كوباً من الماء البارد حمله لنا أصحاب المنزل. هدوء حذر بات يضرب المكان، بينما دعانا جندي يقف خارج المنزل الذي فُتحت نصف بوابته إلى الخروج سريعاً، وعلى بعد أمتار كانت سيارة الصحيفة في الانتظار، والسائق لا يصدق أننا لا نزال أحياء. اتفقنا على أن نخرج من تلك البقعة سريعاً.

أقف بالقرب من نقطة الشرطة، أمسك بهاتفي في يدي، وأُملي على زميلي في الصحيفة خبراً عن «معركة الـ50 دقيقة... اشتباكات بالرصاص بين الأمن ومسلحين في (...)».

أعود إلى مقر إقامتي في المدينة، وبعد أن كنت قد عزمت أمري مسبقاً على السفر في اليوم نفسه، بت مُصراً على الذهاب صباح اليوم التالي إلى موقع الاشتباك نفسه لمتابعة عملي.

أدركت أكثر من أي وقت مضى «قيمة الصنعة»، وأن تجربة كتلك كفيلة بأن تجبر كائناً من كان على أن يزن بالذهب كل كلمة يكتبها أو يقولها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة