د. محمد النغيمش
كاتب كويتي متخصص في علوم الإدارة. حاصل على الدكتوراة في القيادة من كلية ساوثهامبتون للأعمال في المملكة المتحدة وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ماستريخت الهولندية. ألف عدداً من الكتب منها "عقلية الإسفنجة".
TT

تحطيم معنويات الكفاءات

فاجأتني ردود فعل القراء من شتى أنحاء الوطن العربي بعد مقالي المتواضع بعنوان: «سرعة التخلص من الكفاءات». هذا المقال رغم أنه كان بديلا مؤقتا، وكتبته في 25 دقيقة على غير عادتي حيث أمضي عادة أياما في التفكير بموضوع جيد، فإنه ما زالت تأتيني بسببه اتصالات، وعلاقات جديدة، بعد انتشاره في وسائل التواصل ومجموعات «واتساب» الهاتفية.
قرأت المقال مرتين لأعرف سبب كل ذلك التفاعل المحير، فلم أجد فيه سوى أن «موضوعه» (محاربة الكفاءات) قد لمس وجدان الناس. وهو مؤشر على عمق ما يعانيه قطاع عريض من «المهمشين». ولأنني لم أقل كل شيء فيه، فرغبت في أن أزيد أن هناك أمورا عديدة يمكن من خلالها تحطيم معنويات الكفاءات، وهي «المهمة الأولى» التي يفعلها كل مسؤول ضعيف يرى في المميزين من حوله مشروع تهديد لوجوده. وهذا باختصار دليل ضعف، لأن القوي يحب الأقوياء، والنشيط يحب النشيطين، والمبدع لا يطيق من يرفضون التفكير «خارج الصندوق». وإحاطة أنفسنا بالكفاءات يضمن جودة عملنا الجماعي. فلا يعقل أن نشيد بيتا مع فريق «يفتقر» لمؤشرات الكفاءة.
وتحطيم معنويات الكفاءات هو الشغل الشاغل للمسؤول الذي تعوزه الثقة بنفسه وقدراته. وهو يدرك جيدا أن منافسة هذه الثلة المميزة ليست يسيرة بسبب كتلة الكسل أو الخوف أو الحسد التي تخيم على تفكيره ويومياته. كما أن كفاءة المرء ليست وليدة الصدفة فهي تراكم من الجد والاجتهاد وشيء من المهارات. وربما هذا ما يدفع البعض إلى حل سريع بتحجيم البارزين في العمل اعتقادا منهم بأنها وسيلة «لتطويق المخاطر». من يفكر بهذه الطريقة فليس مشروع قائد فعال. فهل رأيت قائدا أو مدربا لفريق كرة قدم يحارب لاعبا مميزا؟! هل يمكن أن تتصور قبطان طائرة أو سفينة محترما يُحَجّم تألق نجم من نجوم فريق عمله؟!
البعض يحاول أن يمارس شتى أنواع الضغوطات «ليطفش» الموظف النشط «ليخلو له الجو» كما يقال. وربما السبب قناعة راسخة بأن «الأفضل منا يضرنا» لكنه، في الواقع، إن لم يكملنا فهو يدفعنا نحو مزيد من التفاني وتطوير قدراتنا. الكفاءة هبة السماء لأي بيئة عمل لأن في كنفها يترعرع أفضل عناصر الجيل الثاني. والكفاءة تدفعنا دفعا نحو بذل قصارى جهدنا حتى يشار إلينا بالبنان مجددا. هذا التسابق المحموم ينعكس على الأرباح، وعلى مناخ بيئة العمل كما تشير العديد من الدراسات. وهذا ما يجعل المرء يضحي براتب أعلى هنا أو هناك لينعم في بيئة تحتضنه وتقدر كفاءته.
والذي يشغل نفسه بتحطيم معنويات الكفاءات «وجرهم إلى الخلف» ينسى أنه يسير «خلف» ركبهم!