لا تعاقبوا أنفسكم بالسلام

لا تعاقبوا أنفسكم بالسلام

الاثنين - 5 محرم 1442 هـ - 24 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15245]

تُشيع أدبياتنا الصحافية عن السلام مع إسرائيل أنَّ «الحكام يصنعون السلام، أمَّا الشعوب فترفضه».
المقولة مصوغة بهذه الطريقة لكي تبدو كأنَّها تمجّد الشعوب. في حين أنَّها لا تمجد سوى مشاعر كراهية السلام، لتروّج هذه المشاعر في أوساط الناس. هذا غرضها الأول.
غرضها الثاني مترتب عليه، أنْ تحطَّ من قيمة صانعي السلام من القادة، كالمغدور الراحل الرئيس أنور السادات. وبالتالي تروّج لفعل قتله، وتبرر لقاتليه، وتخفف من بشاعة الفكر المتطرف المحارب الذي قدم التربة الخصبة للإرهاب.
الشعب لم يروّج المقولة، ولا حتى بالإمكان اختبار إنْ كان يوافق عليها أم لا. الناس، في مصر، يتعاملون مع الإسرائيليين بشكل عادي في الأماكن التي يتردد السياح الإسرائيليون عليها. الذي روَّّجَ المقولة لم يكن الشعب، وكيف له أن يفعل؟ بل قطاع معين من النخبة، هو نفسه الذي حطّ من قدر صنّاع السلام، ومجّد قاتليه.
حين تتقصى أفعال هذا القطاع من النخبة، في غير موضوع السلام، لا يزيدك التقصي إلا إدراكاً لفساد رؤيته، وقصور نظره، وسوء عاقبة المسير خلفه.
من هذا النمط في التفكير انطلق فريقان بسلوك متسق متناسق. خالد الإسلامبولي يقتل، وتنظيم جهادي يحاول قلب نظام الحكم. شيوخ الإخوان يدافعون عنهم «شرعياً» في المحاكم. شعراء يساريون يكتبون قصائد في مدحه، يتغنَّى به الشيخ إمام. طهران تسمي شارعاً باسمه. وصحف علمانية يسارية في سوريا ولبنان والعراق تباركه. وهكذا، فريقان يبدوان متباينين، لكنهما متّحدان في الغرض. فريق يقتل وفريق يصوغ الحملة التسويقية.
وهما الفريقان ذاتهما اللذان يضعان ثقافة الحرب دائماً في مرتبة أسبق من ثقافة التنمية. ثم يعودان ويشكوان من تراجع الوضع الاقتصادي، من دون أن يدركا العلاقة بين هذا التراجع وبين الأفكار التي يروّجانها في المقام الأول. بعد ذلك يستخدمان تراجع التنمية في الدعاية لتعميق النقمة. وهلمَّ جرا. دورة أفنت حياتنا فتسرَّبت من بين أيدينا.
بتفكير الحرب ذاك ضيَّع العراق ثروته، وتوشك إيران على الإفلاس، وضاعت سوريا ولبنان، وضاعت على مصر فرص اقتصادية في السياحة والاستثمار. وناءت بها حمول توالد الفقر في ظل اقتصاد الكفالة. حتى هذا، يدعو له الفريقان نفساهما، واحد بتفكير التواكل على الله، والثاني بتفكير التواكل على البشر الآخرين في المجتمع.
لماذا يتَّجه هذان الفريقان دائماً إلى تحقيق الغرض نفسه على اختلافهما؟ بسبب هذه الفكرة الجامعة. احتقار مفردات السلام والمعيشة الهانئة على هذه الأرض. وتفضيل ثقافة الحرب على اعتبار أنَّها تعد بعالم آخر أفضل. احتقار العلاقة المادية بين الفعل والنتيجة. المفترض أنَّنا عشنا طويلاً لنرى إلى أين يأخذنا هذا المسار.
لو لم يكن في الإصرار على تعميق ثقافة السلام وتشجيعها من ميزة سوى تغيير عقلية الحرب تلك، لكفى بها. لكن الموضوع أكبر من ذلك حين نتجاوز الدعاية إلى التمحيص المنطقي.
مروّجو مقولة «السلام البارد» يسوّقونها على اعتبار أنَّ مصر التي تربطها بإسرائيل علاقة سلام منذ 40 عاماً خدعت جارتها الشمالية، فاستردّت منها الأرض ولم تعطها شيئاً في المقابل. خطأ.
إسرائيل حصلت بموجب معاهدة السلام على الجائزة الكبرى، وهي تأمين حدودها وإخراج مصر من المعادلة العسكرية. ومصر أيضاً حصلت على مكسب ضخم باسترداد أرضها.
لكن إذا نظرنا إلى الجزء المعطل، إلى الفرص الضائعة بسبب «السلام البارد»، وسألنا: أيُّ الفريقين فوَّت مصلحة أكبر؟ فاعتقادي أنَّها مصر. في الجانب الثقافي إسرائيل دولة متقدمة علمياً وتكنولوجياً. في الجانب الاقتصادي هناك مصالح قوية بين البلدين في البحر المتوسط وفي مجال الزراعة والاستصلاح كما في المجال السياحي. وفي الجانب الاستراتيجي والأمني فأمان حدودنا الشمالية ضد مشروعين تاريخيين ممتدين لآلاف السنين، الفارسي والرومي، مرتبط في الوقت الحالي بإسرائيل أكثر من غيرها. هذه هي الحقيقة على الأرض.
ثم ما هذه الصدفة الباهرة التي تجعل كارهي السلام هم أنفسهم موجهي مصر إلى الطرق الخطأ فيما سواه؟! وما هذه الصدفة الباهرة التي تجعل معظم كارهي السلام من رجال أنقرة وطهران؟!
الآن نحن في موجة جديدة من علاقات السلام بالاتفاق المعلن بين الإمارات وإسرائيل. تدخل إليها المنطقة وقد تراكمت لدينا الخبرات، ونقصت من أيدينا الأعذار. محور الاعتدال في المنطقة لن يكون لديه سوى نفسه ليلومها إن كرر الخطأ نفسه. واكتفى بالسلام البارد، ظناً منه أنه يحقق المنفعة الكبرى.
السلام يعني السلام. إن كنت لا تنوي الاستفادة منه فلا حاجة لك به. سيكون «صيتاً على الفاضي». قيمة السلام ليست في السفارات المفتوحة، قيمته في العلاقات المفتوحة. في تكوين مربع تنميةٍ صلب، يتبادل المنافع، ويقف في وجه المخاطر المشتركة، ويردع الطامعين من خارجه، ويعلِّم المجتمع قبول الآخر، ويرسّخ في كل فرد منّا أنَّ منطقتنا متنوعة، ليست حكراً على المسلمين، ولا حتى على اللغة العربية. وهذه هي القيمة الكبرى. تغيير الفكر المهيمن. من فكر كاره للحياة ومحقِّر لجودة مفرداتها اليومية، إلى فكر يحب «الحياة الحلوة».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة