حنا صالح
صحافي وكاتب لبناني. رئيس تحرير جريدة «النداء» اليومية (1975 - 1985). مؤسس ورئيس مجلس إدارة ومدير عام راديو «صوت الشعب» (1986 - 1994). مؤسس ورئيس مجلس إدارة ومدير عام تلفزيون «الجديد» (1990 - 1994). مؤسس ومدير عام «دلتا برودكشن» لخدمات الأخبار والإنتاج المرئي (2006 - 2017). كاتب في «الشرق الأوسط».
TT

لماذا «التدقيق الجنائي» أولوية وطنية في لبنان؟

في الرابع والعشرين من أبريل (نيسان) الماضي أقرّ مجلس الوزراء اللبناني إجراء تدقيق مالي ومحاسبة مركزة أو «تدقيق جنائي forensie Audit» في حسابات مصرف لبنان، وقرر الاستعانة بالشركة العالمية «كرول kroll» وهي متخصصة للقيام بمثل هذه المهمة. استندت السلطة اللبنانية في قرارها إلى واقع تسجيل المصرف المركزي خسائر كبيرة تجاوزت 60 مليار دولار، وذلك وفق أرقام «خطة الإنقاذ» الحكومية المجمدة الآن. وقد سرّع اتخاذ هذا القرار غياب الانسجام آنذاك بين رئيس الجمهورية وحاكم المصرف المركزي، وكذلك انعدام الكيمياء بين رئيس الحكومة والحاكم!
لكن في الثلاثين من يونيو (حزيران) أي بعد مرور نحو 65 يوماً، أُعيد طرح الموضوع في مجلس الوزراء، فأعلن وزير المال غازي وزني (ممثل حركة «أمل») أنه لن يوقّع العقد مع الشركة المذكورة لأن لها علاقات مع «الموساد» وهذا سيؤدي بشكل تلقائي إلى تسرب معطيات مصرف لبنان إلى العدو الإسرائيلي. وأمام الإصرار على المبدأ وأنه يمكن البحث عن شركة أخرى، ردّ الوزير وزني بأن «الجهة السياسية التي أُمثل ترفض ذلك»، مضيفاً أن تكليف أي «شركة دولية بإجراء تدقيق مركز جنائي سيفتح الباب أمام التدخلات السياسية الدولية لتوجيه اتهامات جنائية وتشويه الحقائق»!
بعيداً عن حكاية التدخلات الدولية، أوحى حديث وزير المال وزني بأن تسويةً ما يتم نسجها بشأن ملفات عدة، وقد لوحظ أنه عندما رفض بحزم طلب الرئيس عون أي محاسبة مركزة كان ممثل «حزب الله» الوزير حب الله يطالب بإرجاء البحث في هذا الموضوع! ففُهمت الرسالة أن «الثنائي الشيعي» قد لا يكون متعجلاً! مع أنه قد يكون متعذراً على مجلس الوزراء التراجع كليةً عن الموضوع. لكن ما استرعى الانتباه تمثل في العودة القوية لـ«الكارتل المصرفي»، الذي تحول من متهم بتبديد الودائع إلى الطرف الأقوى، مع تبني الطبقة السياسية قراءته وأرقامه للخسائر المالية من خلال اللجنة النيابية المختصة، والتحقت به أبرز القوى بوصفها مالكة لحصص رئيسية في المصارف، وما يعنيه ذلك من تحول في اتجاه توزيع الخسائر والمديونية، وما ستتركه من تأثيرات!
قبل الدخول في موجبات «التدقيق الجنائي» الذي ينبغي أن يتجاوز مصرف لبنان ليشمل على الأقل وزارة الطاقة ومجلس الإنماء والإعمار، حيث رتبت الأولى ديناً بلغ 47 مليار دولار، فيما الثاني أنفق مليارات الدولارات من القروض والقروض الميسرة والهبات من دون أي حدٍّ مقبول من التدقيق، وفوق هدر المال العام تم السطو على ودائع اللبنانيين في المصارف والتي تفوق الـ150 مليار دولار.
لقد رفعت «ثورة تشرين» مطالب باستعادة الأموال المسروقة والمنهوبة، وتبارت أطراف السلطة الطائفية في إبداء الحرص على استعادة ما تم نهبه وكذلك الحكومة الواجهة وإن غاب هذا الموضوع عن أدبياتها في الآونة الأخيرة. ودعمت الثورة مطلب «نادي القضاة» بوضع القانون 44/ 2015 في التطبيق. ولأنه مرتبط بالقوانين الدولية لمكافحة تبييض الأموال، فهو يتيح تجميد كل الحسابات في الداخل والخارج للتدقيق بها، لكن الجهات المعنية أهملت كلية الطلب القضائي وراحت تطرح وجوب سنِّ تشريعات جديدة مع أن القوانين موجودة وينبغي أن تُطبق!
يقولون إن تسويةً عُقدت مع المصرف المركزي تناولت زيادة في الدعم لاستيراد سلعٍ غذائية لشراء الوقت وشراء سكوت الناس، ويدور حديث عن سلة غذائية تضم نحو 200 سلعة إلى مكونات تُستخدم في الصناعة، ولا تدخل في ذلك السلع الاستراتيجية المدعومة مثل مشتقات المحروقات والقمح والدواء. وتضمنت الصفقة ضخ المزيد من الدولارات إلى شركات الصيارفة حيث يستمر على غاربه التلاعب والمضاربة والتهريب إلى خارج الحدود. وبالتزامن تردد أن «التدقيق الجنائي» لم يسقط وقد طرح وزير المال اسم الشركة العالمية (FTI) على أن يواكب عملها مدققون لبنانيون، والأرجح أن الجهات الأمنية ستتحفظ نظراً إلى ما ذكر من علاقات للشركة مع تل أبيب، غير أن المؤكد هو تعميم أجواء مفادها أن لا استهداف للحاكم بالذات، «إلاّ إذا كان قد ارتكب أخطاء جرمية وكشف ما يدور داخل أروقة مصرف لبنان»، وفي السر والعلن بدأ تطبيع العلاقات بين مراكز القرار السياسي وحاكم المصرف المركزي رياض سلامة.
الواضح أن «التدقيق الجنائي» هو أكثر من ضرورة في الوضع اللبناني، كونه يتيح الكشف عن الأخطاء الجوهرية أبعد من مسألة مطابقة الحسابات، ما يساعد على تقييم مختلف للخسائر المالية وتوثيق الأدلة والدعم للجهات القضائية في عملية المحاسبة القانونية. هنا تجدر الإشارة إلى أن هذه المحاسبة المركزة تبحث في أسباب حدوث الخطأ، وإذا ما كان الأمر ينطوي على عمليات احتيال، بالإضافة إلى احتساب تكلفة الخسائر... وتتعمق هذه المحاسبة في البحث عن الأموال المهدورة أو المنهوبة، من خلال فحص وتقويم الحركة المالية المشتبه بوجود احتيال خلفها.
وبعبارة أخرى تذهب المحاسبة المركزة إلى كشف أبعاد الأنشطة اللاقانونية المتأتية عن تضارب المصالح واستخدام السلطة والمحاباة لتحقيق المكاسب. هنا يتناول «التدقيق الجنائي» تهريب الأموال والنقل غير المشروع للودائع ويقتفي أثرها والأطراف المستفيدة منها. حاصله أن هذا النوع من العمل الذي تقوم به جهة (شركة) دولية بوسعها قانوناً المتابعة في الداخل والخارج، يمكن لها أن تكشف ليس فقط أرقام المنهبة وحجم الفساد، بل كذلك الجهات المتورطة فيه، ما سيوفر الأدلة القوية للمحاكمات اللاحقة...
هناك مثل لبناني معروف «ما تقول فول قبل ما يصير بالمكيول»، ولأن المطروح كبير جداً ويدخل في باب الأولويات الوطنية، فمن الضروري التوجس حيال مصير مطلب «تدقيق جنائي» يريدونه على مقاس مرسوم كي يكون متاحاً التحكم في النتائج عند الحاجة. السير في هذا النوع من المحاسبة المركّزة أمر متقدم في العملية الإصلاحية، لأن في ذلك إمكانية تبيان الكثير من الحقائق لجهة كل ما سبق وتم تناوله في موضوع تبييض الأموال والنشاطات غير المشروعة. والأمل أن تكون قصة «البنك اللبناني الكندي» قضية معزولة، وكانت الخزانة الأميركية قد أدانته بتهم منها تبييض أموال بحجم 100 مليون دولار شهرياً لتمويل الإرهاب، وتمت تصفيته في يونيو 2013 وكان ترتيبه الخامس بين بنوك الفئة الأولى!