رثاء السفر

رثاء السفر

الجمعة - 12 ذو القعدة 1441 هـ - 03 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15193]
جوسلين إيليا
إعلامية وصحافية لبنانية عملت مقدمة تلفزيونية لعدة سنوات في لندن وبيروت، متخصصة في مجال السياحة.

في الأمس القريب كنا نتكلم عن السفر إلى القمر، واليوم نتكلم عن تاريخ إعادة فتح المطارات. وفي وقت كنا نتكلم فيه عن مستقبل السيارات الطائرة، وجدت الطائرات نفسها بلا أجنحة.

قلب فيروس «كورونا» حياتنا رأساً على عقب. غيّر عاداتنا، بدّل أفكارنا، جعلنا نعيش حالة رعب ووسواس، حرمنا من رؤية عائلاتنا وأصدقائنا وزملائنا في العمل، وحوّل بيوتنا إلى مكاتب.

استطاع الفيروس اللعين شلّ حركة الكون وساكنيه. حرمنا من ملذات الحياة. وتقطعت بنا سبل السفر وعبور الحدود. جعلنا سجناء في بيوتنا. غيّر كل المظاهر والمناظر. وقنّع البشر. وبسببه أصبح التبضع الضروري للمواد الغذائية عناء يضاهي الحصول على تأشيرة سفر.

السفر كان في الماضي حلماً بالنسبة إلى كثيرين، أما اليوم الفكرة هي حلم.

كنا نشتكي من زحمة المطارات، وكنا نلقي اللعنة على الإرهابي البريطاني ريتشارد ريد الملقب بـ«مفجر الحذاء» الذي بسببه فُرض علينا قانون نزع الأحذية في المطارات، بعدما حاول تفجير حذائه في ديسمبر (كانون الاول) 2011، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نعاني من التشديدات الأمنية. وكم من مرة قلت في قرارة نفسي وأنا أنزع حذائي الشتوي الذي يستغرق خمس دقائق لانتعاله وخلعه: «لعنه الله عليك يا ريتشارد». لكن اليوم وبعد تخفيف القيود تدريجياً على المطارات والسفر ونشر لائحة بالبلدان التي يسمح لنا بزيارتها من دون الحاجة للحجر المنزلي والعزل الصحي عند العودة، بتنا نقول: «سقى الله على زمانك يا ريتشارد».

السفر جميل ورائع ومفيد ويزيدنا علماً ومعرفة ويوسع آفاقنا، لكنه متعب بالوقت نفسه. فما بالك اليوم مع الإجراءات التي ستفرض على المسافرين بدءاً من باب المطار مروراً بالطائرة ووصولاً إلى الوجهة السياحية. 

مما لا شك فيه هو أن السفر سيتغير شكله ومضمونه، ولا أحد يملك الجواب إلى متى، خصوصاً أن الفيروس لم ينته بعد، وها هو يفتك اليوم بشعب تلو الآخر. وبريطانيا تنتظر موجة ثانية في الخريف المقبل. وهذا هو الموعد نفسه الذي يراه المحللون والاخصائيون في مجال الملاحة الجوية، بداية لعودة السفر إلى سابق عهده!

قبل كورونا كان جواز السفر كاف لقطع الحدود. أما اليوم فأنت بحاجة إلى ملف طبي ووصاية طبيب لكي يسمح لك بالسفر. حتى طريقة حزمنا الأمتعة ستكون مختلفة، فسيكون المطهر والمحارم المعمقة على رأس جدول حاجياتنا في السفر. ستفحص حرارة جسمك في المطار، فإياك من الانفعال لأي سبب قبل الوصول إلى المطار تحسباً لارتفاع حرارتك. وبعدها لا تنسى الكمامة التي ستكون من سمات وجهك الجديدة.

حرمنا فيروس «كورونا» من أشياء كثيرة، حتى من التقاط الصور التذكارية مع «ميكي ماوس» و«ميني ماوس» في عالم «ديزني» السحري، فاليوم لا يسمح بالاقتراب من شخصيات «ديزني» المفضلة لدى الصغار والكبار. وأصبحت سندريلا وأميرة الثلج ترتديان الكمامات أيضاً.

ما نعيشه اليوم يشبه الكابوس، لأنه شيء لا نراه إنما نرى أفعاله، ونهابه ولا نعرف شكله. إنه كابوس جعل الناس تخاف من بعضها البعض، فرض علينا طقوساً غير معهودة في النظافة، ففي المحلات التجارية تقوم بتنظيف الحاويات والعربات، وعلى متن الطائرة تنظف الطاولات، وفي المطاعم أصبحت لائحات الطعام غير قابلة للحفظ وترمى بمجرد أن يلمسها الزبون.

في النهاية، لا شيء يدوم. مر العالم بالكثير من الأوبئة وتخطاها. لكن المشكلة في هذا الفيروس هو أنه لعب على الوتر النفسي أكثر منه على الصحة البدنية بحد ذاتها. ويبقى السؤال: إلى متى؟ وهل ستعود حياتنا إلى ما كانت عليه في السابق؟ وأخيراً: هل ستكون لدينا الثقة في العودة إلى حياتنا الطبيعية؟ الأجوبة ستكون في نهاية عام 2020 الذي شارف على الانتهاء.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة