إذا أردت مؤشرا يقيس مدى جدية المسؤولين في تنفيذ وعودهم فاقسم عدد وعودهم المنفذة على تلك التي لم تنفذ، لتظهر لك نسبة «جدية الوفاء بالوعود». فمثلا إذا كان عدد الوعود التي أعلنتها حكومة ما أو وزير أو مدير يصل إلى 10 وعود مهمة وكان المنفذ منها في المدة الزمنية المعلنة فقط 3 وعود فإن نسبة الجدية هي 30 في المائة. وكلما تكرر الأمر نأخذ معدل هذه النسب ليظهر لنا أيضا معدل جدية هؤلاء الذين يطلقون كلامهم المعسول ظنا منهم أن لدينا ذاكرة القطط.
ومن هذا المنطلق فإنني أتفهم بل وأحترم المسؤول الذي يعلن اعتذاره صراحة على الملأ فورما يكتشف عدم استطاعته الوفاء بوعوده. والتاريخ الحديث يزخر بنجوم تقدموا باستقالتهم لأنهم لم يتمكنوا من الوفاء بوعودهم.
هناك مشكلة كبيرة لا ينتبه إليها كثير من الناس وهي عدم التفريق بين الفعل الماضي والمضارع حينما يلزم أحدنا نفسه بوعد ما. فتجد شخصا يقول أنا أعمل حاليا على كذا وكذا (فعل مضارع) وينسى أن الفعل الماضي في الوعود أوقع من الأفعال المضارعة، فكلمة «أنجزت» أكثر مصداقية من «سوف أنجز». وفعل «سوف» يختلف لغة عن حرف السين الذي يضاف للأفعال مثل «سأفعل» فالأول فيه تراخ أما الثاني فيقصد به الفورية. مثلا قولنا «سنوقع» عقود الإسكان غدا يختلف عن «سوف نوقع» عقود الإسكان في السنوات المقبلة.
ورغم أن العرب تردد مقولة «وعد الحر دين عليه» فإنه لا يبدو أننا اعتدنا أن نسمع عن وزير أو نائب في برلمان قد تقدم باستقالته لأنه لم يف بمطلب شعبي وتنموي يستحق أن يدفع وظيفته ثمن تأخره في إنجازه.
وينسى بعضنا أن الوعود لها ثمن مادي ومعنوي، وهذا ما يفسر سبب تسرعنا في إشهار الوعود قبل التيقن من مدى مقدرتنا على الوفاء بها. فبعض المشاريع مثلا ذات طبيعة فنية بحتة ولا بد من الرجوع للمعنيين لتزويدنا بالرأي الفني قبل أن نورط أنفسنا مع العامة فتهتز مصداقيتنا. وهذا ما يذكرنا بقول الفرنسيين «عطاء من دون وعد خير من وعد من دون وفاء».
وأنا أتجول بين صور مرشحي الانتخابات في عاصمة عربية تذكرت مقولة بريرنارد برتش حين قال: «أدل بصوتك لأقل المرشحين وعودا لأنه سيكون أقلهم خيبة لآمالنا»! ولو تخيل بعضنا لحظة إعلانه لوعوده فعل الضغط على زر تشغيل ساعة الإيقاف stop watch أو ساعة مباراة كرة القدم التي ترنو أنظار الجماهير إليها لأدركنا أن العبرة بالنتيجة لا بالوعود البراقة.
ويزخر تاريخنا العربي بمقولات عن الوفاء مثل ما يروى عن الإمام علي كرم الله وجهه: ولا خير في وعد إذا كان كاذبا.. ولا خير في قول إذا لم يكن فعل. وقولنا «أنجز حر ما وعد». ومن قصص الوفاء بالوعد قصة عرقوب الشهيرة الذي كان رجلا يُضرب به المثل لكذبه وخلفه بالوعد فصار «وَعْدٌ عرقوبيّ» قولا يضرب في وصف حال من يعد ويخلف وما أكثر ما نفعل ذلك في عصرنا.
[email protected]
7:25 دقيقه
TT
وعودك «العرقوبية»!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
