وباءٌ منحسر لكنَّ الصيفَ يبدو ساخناً

وباءٌ منحسر لكنَّ الصيفَ يبدو ساخناً

الأحد - 15 شوال 1441 هـ - 07 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15167]

خبراءُ الإرصاد الجوّية في العالم يتوقّعون أن يكونَ صيف هذا العام، من الناحية المناخية، ساخناً جداً. خبراءُ الصحة الدوليون، وعلماءُ الجراثيم والفيروسات لا يتوقفون على التصريح بصعوبة وصول المختبرات العلمية إلى مصلٍ واقٍ من الوباء الفيروسي خلال هذا الصيف، ويحذّرون من مغبة التهاون في التعامل مع وباء تأكد أنَّهم لا يعرفونه. لكن الأمر بدأ ينفرج قليلاً قليلاً، وبحذر شديد، إذ بدأت بعض القيود ترفع على أمل عودة الحياة إلى طبيعتها.
محللو الأخبار والمعلقون السياسيون، على اختلافهم، تلتقي تكهُّناتهم، منذ فترة، باتجاه التهيؤ والاستعداد لصيف قادم بدرجات حرارة عالية سياسياً. خبراء التحليلات العسكرية، في مناطق عدة من العالم، لمَّحوا إلى امكانية ارتفاع مفاجئ في درجات حرارة فصل هذا الصيف عسكرياً بمواجهات حربية تركية – روسية ساخنة في ليبيا.
خبراء المال والأعمال والاقتصاد حزموا أمرهم على أنَّ العالم سيشهد صيفاً خانقاً بطوابير طويلة من العاطلين. المعلقون الرياضيون، أكدوا، منذ فترة طويلة، أنَّ صيف هذا العام سيكون بلا مناشط دولية.
في العاصمة الليبية طرابلس، صيف هذا العام قد لا يكون مختلفاً عما سبقه من فصول في العلاقة بحرارة طقس تعودها الليبيون، لكنَّه قد يكون مختلفاً عسكرياً وسياسياً بسبب ما حدث من تطورات أجدرها بالملاحظة تهمُّش الأطراف الليبية، وتغوُّل الأطراف الخارجية في إدارة الصراع عسكرياً بهدف الاستحواذ على النفوذ سياسياً واقتصادياً، في بلد نفطي، وبموقع جغرافي استراتيجي ببوابتين واحدة تقود إلى أوروبا بحراً، وأخرى تفضي إلى أفريقيا براً.
تدفق الأسلحة والمقاتلين من الخارج في ازدياد، وليس سرّياً رغم محاولات الاتحاد الأوروبي إيقافه. والطريق إلى السلام عبر مفاوضات تقود إلى اتفاق سلام تحت رعاية أممية لا تبدو قريبة للمراقبين لانعدام الثقة بين الأطراف المتنافسة.
في فلسطين، تغيّر الفصول لا علاقة له بمسار الأحداث في خطط الاحتلال الإسرائيلي للاستحواذ على ما تبقى من أراضي الضفة الغربية، وتحويلها إلى مستوطنات، وبمباركة من الإدارة الاميركية. هذا الصيف، ووفقاً لآخر للتطورات، عقب تشكيل حكومة التحالف بين حزبي الليكود وأزرق وأبيض مؤخراً، سوف تتحرك القوات الإسرائيلية للاستيلاء بالقوة على أراض عربية فلسطينية في الضفة، في مناورة خبيثة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قصد بها تحويل الأنظار عن تورطه وزوجته في قضايا فساد.
في هونغ كونغ، وبعد فترة هدوء حتّمها انتشار فيروس كورونا، التهبت، من جديد، وبسرعة، حرارة الشوارع والأحياء بالمظاهرات والاحتجاجات والعنف، بعد قرار الحزب الشيوعي الصيني مؤخراً فرض قانون الأمن الوطني على الأقليم، في انتهاك لاتفاق «بلد واحد بنظامين لعام 1997» الموقع بين بريطانيا والصين. القانون الجديد يمنح السلطات الصينية شرعية لخنق كل أصوات المعارضة في الإقليم. القرار الصيني فتح الأبواب لحرب بيانات واتهامات ساخنة بين واشنطن ولندن من جهة، وبكين من جهة أخرى. ولوَّح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في مقالة نشرها في صحيفة التايمز الأسبوع الماضي، بإمكانية منح بلاده حق الإقامة لنحو 3 ملايين مواطن من هونغ كونغ، من حملة جواز سفر بريطاني خاص، ما لم تسحب حكومة بكين قرارها.
في غمار هذه الحرب، جاءت الأخبار متسارعة من أميركا، بحلول فصل صيف بدرجات حرارة استثنائية، لدى اشتعال نيران جولة أخرى جديدة، من حرب قديمة جداً، وانتشرت بسرعة جنونية، في مختلف مدن ولاياتها، عقب مقتل مواطن أميركي أسود البشرة غير مسلح على يد رجل شرطة أبيض. المظاهرات تخللتها أعمال عنف، وحرق وتخريب ونهب وقتل. وردت الشرطة بقسوة وعنف على المحتجين، وتمادت أكثر، في سابقة غير معهودة، بالتعرض والاعتقال لصحافيين بتراخيص رسمية، كانوا في الساحات لنقل تطورات الاحتجاجات من مواقعها مباشرة إلى مشاهدين في مختلف بقاع العالم. وزاد الرئيس الأميركي ترمب في سكب زيت غضبه على النار بتصريحات، كما هو متوقع، تفتقد لغة دبلوماسية، وبمفردات أثارت استياءً داخل دوائر اعلامية، ومن معلقين سياسيين يعدّون من أنصاره. انتشار أعمال العنف والنهب أدَّى إلى إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول خلال ساعات الليل في عديد من الولايات، واتهم الرئيس ترمب حاكمي الولايات بالضعف والتخاذل.
المضحك المبكي، في آن معاً، أنَّ وزارة الخارجية الروسية أصدرت بياناً تدين فيه اعتقال صحافيين أميركيين خلال الاحتجاجات، متجاهلة مسلسل اغتيالات الصحافيين الروسيين الذين اغتيلوا، خلال السنوات الماضية، في مختلف شوارع المدن الروسية، وقيدت جرائم قتلهم ضد مجهول. أضف إلى ذلك بيانات أخرى صادرة من عاصمتين لدولتين – الصين وإيران - سجلاتهما المتعلقة بحقوق الإنسان ما زالت تقطر دماً ممَّا ارتكبتاه وترتكبانه من انتهاكات وجرائم ضد مواطنيها ومبدعيها من الكتاب والفنانين والصحافيين، في الداخل والخارج. هذا لا يعني تبرئة السلطات الأميركية الأمنية مما ارتكبته من خروقات وانتهاكات، واستخدام غير متوائم للقوة، لكن الهدف من الإشارة إليه هو التأكيد بأنَّ الذاكرة الإنسانية والتاريخ ليس من السهولة بمكان تعتيمهما بقنابل دخانية وبمرايا، بغرض إخفاء تفاصيلهما الكثيرة، عبر إصدار بيانات تحمل إدانات سياسية، وتفوح منها روائح أهداف وأغراض لاعلاقة لها بالإنسان ولا بحقوقه المنتهكة. لكنَّها الحرب، وعلاقة الحروب على اختلافها، بالحقيقة منذ قديم الزمان، ليست في حاجة منّا إلى توضيح أو تعليق.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة