قد تكون مقارنة التصحيحات السابقة للأسواق المالية، بما تمر به اليوم في ظل انتشار وباء «كورونا»، بمثابة اختيار أعظم لاعب كرة قدم أو بطل ملاكمة للوزن الثقيل في التاريخ؛ هل هو بيليه أم مارادونا؟ محمد علي أم جو لويس؟
نعلم في قرارة أنفسنا أن هذه المقارنات مستحيلة، لكننا نقوم بها رغم ذلك. بما أن الوباء زعزع الأسواق المالية العالمية، فمن الطبيعي أن نبحث عن دروس مستفادة من أزمة عام 2008 – 2009، أو حتى أزمة عام 1929 مع تدهور الوضع بشكل أكبر.
وكما أننا لا نضع استراتيجياتنا الاستثمارية المستقبلية بناءً على الأداء السابق لفئات الأصول، فينبغي لنا ألا نفترض أن هناك دليلاً إرشادياً جاهزاً للتعامل مع الأزمات السابقة الذي بدوره يمكن أن يوفر حلولاً للتحديات الحالية التي تواجهها الأسواق. هذا لأن الأزمات السابقة كانت ذات طبيعة مالية، أما الأزمة الحالية فهي أزمة وجودية. كما أنها تغير سلوكياتنا اليومية بطريقة لم تفعلها الأزمات السابقة، وبالتالي فلا بد لها من أن تغير سلوك المستثمرين أيضاً. وهذا لا يعني بالطبع أن الانهيارات التاريخية في الأسواق المالية لا تحمل بعض الدروس المستفادة التي تنطبق على ما يحدث اليوم. فنحن نعلم، على سبيل المثال، أن معظم تصحيحات السوق تجري على مدى أسابيع قليلة تتبعها فترة من التقلبات، ثم يليها انتعاش السوق.
سيعتمد معظم ما سيحدث في الأسواق المالية على موعد بدء ذروة وباء فيروس «كورونا» (كوفيد19)، والذي سيحدد متى ننتقل مما تسمى «لحظة مينسكي»، التي تشير إلى الانهيار المفاجئ لقيم الأصول ونهاية دورة النمو، إلى فترة جديدة من الاستقرار.
وعلينا أن نتذكر في تتبعنا هذه العملية أن ما نشهده الآن في قيم الأصول لا يتعلق بكامله بتبعات الوباء في حد ذاته، بل بكيفية استجابة الأسواق لفترة ممتدة من النمو المعتمد بشكل كبير على الاقتراض المرتبط بعصر انخفاض أسعار الفائدة والتيسير الكمي في العقد الذي أعقب الأزمة المالية الأخيرة.
انتهت أزمتا عام 1929 وعام 2009 تاركتين وراءهما العالم غارقاً في الديون. وسوف يتكرر ذلك مرة أخرى، الأمر الذي يعطينا فكرة عن السياسات المحتملة التي سيضعها بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وأهم حكومات العالم استجابة للأزمة، في سعيهم لتخفيف العبء المالي على قطاعاتهم الرئيسية وعوامل توليد الثروة والسكان.
نحن نشهد اليوم عدم استجابة أصول «الملاذ الآمن» في هذه الأزمة كما توقعنا في الماضي، لأن فكرة الملاذ الآمن نفسها تواجه تحدياً بسبب هذا الوباء.
من الناحية الموضوعية، ستصبح الصحة والديموغرافيا، والتكنولوجيا خاصة، جزءاً أكبر بكثير من المحفظة الاستثمارية في مرحلة ما بعد الوباء.
فالتكنولوجيا هي التي أبقت العائلات المتباعدة على اتصال في الأسابيع الأخيرة، وهي التي سمحت لنا بالقيام بوظائفنا من المنزل وتعليم أطفالنا في الوقت نفسه. كما أن التكنولوجيا هي التي ساعدت الحكومات على رسم خريطة لانتشار وباء «كوفيد19» وتتبعه، وبالتالي إنقاذ الأرواح.
وسيواصل الإحلال الرقمي الذي كان قيد التنفيذ في بعض القطاعات والعمليات قبل أن نسمع عن هذا الفيروس، في التقدم، ويستمر دوره في التأثير على المحافظ الاستثمارية وتعديلها وفقاً لذلك.
وبعيداً عن هذه القطاعات الفردية التي تجتذب بالفعل مزيداً من الاستثمارات، فمن المرجح أن نرى تركيزاً أكبر على الاستدامة مع تصدر الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات المشهد مرة أخرى. لقد كان الوباء درساً للجميع؛ إذ علّمنا كيف يمكن لمشكلة، كان يُنظر إليها على أنها مسألة نظرية وبعيدة الحدوث، أن تتحقق بشكل مفاجئ وتقلب الموازين.
ربما يكون الفيروس الغريب الذي ظهر في مدينة بالصين قبل بضعة أشهر فقط قد شغل تفكيرنا قليلاً بشكل عرضي، تماماً كمسألة ذوبان الجليد في القطبين بسبب التغير المناخي؛ التي قد تكون مُقلقة، ولكنها لن تحرمك النوم مثلاً؛ ما لم تغمر المياه شقتك، على الأقل. لكن الوضع اليوم مختلف تماماً. لقد علمنا الوباء أننا بحاجة إلى الاستثمار في أسلوب حياة أكثر استدامة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
* الرئيس العالمي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا
بشركة «إندوسويس» لإدارة الثروات
9:30 دقيقه
TT
البحث عن «دليل إرشادي» لمرحلة ما بعد الجائحة هدر للوقت
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
