مارك غونغلوف
TT

الطريق لإعادة تشغيل الاقتصاد لا تزال طويلة

من الواضح لنا جميعاً مدى رغبة الرئيس دونالد ترمب المتقدة إلى إنهاء الإغلاق العام في البلاد، وكان قد أصدر بالأمس توجيهات جديدة تتعلق بكيفية إنهاء حكومات الولايات لحالة الإغلاق العام. وكانت التوجيهات الرئاسية مثار حيرة بالغة ومفاجئة لدى حكام الولايات، غير أن تلك الحيرة لم تدم طويلاً، فلقد أطل علينا الرئيس ترمب من نافذة «تويتر» هذا الصباح، داعياً حكام ولايات مينيسوتا، ومشيغان، وفيرجينيا إلى «تحرير» أنفسهم من أوامر الإغلاق التي فرضها الحكام الديمقراطيون على ولاياتهم.
وأكدت خطة الرئيس لإعادة التشغيل على الاحتياط والحذر البالغ، ولكنها خطة مليئة بالعيوب والثغرات، كما أشار الكاتب ماكس نيسين، ويواصل الرئيس ترمب صراخه الشديد على «تويتر»، منادياً حكام الولايات لتطبيقها والعمل بها فوراً.
وقال الكاتب نوح سميث: «إن مسألة الإغلاق في مقابل عدم الإغلاق ليست كمزاعم المشككين في المبادلات التجارية البسيطة». فإن التسرع والتعجل في إعادة تشغيل الاقتصاد سوف يسفران عن سقوط مزيد من الضحايا المصابين بالمرض الفتاك، فضلاً عن إلحاق مزيد من الأضرار الفادحة باقتصاد البلاد. ورغم أننا قد بدأنا في ملاحظة تراجع منحنى الوباء الحاد للغاية، فإن البيانات الواردة إلينا من إيطاليا وإسبانيا تشير إلى أننا صعدنا لتونا إلى قمة المنحنى، ولا يزال أمامنا منحدر طويل وزلق حتى بلوغ نهاية الأزمة وانقشاعها، كما قالت الكاتبة كاثي أونيل. فالوقت ما زال مبكراً للغاية لإعلان أي دولة الانتصار في معركتها ضد الوباء الخفي الفتاك.
وفوق كل ذلك لا تزال مشكلتنا الأساسية قائمة؛ وهي أننا لا يمكننا أبداً إعادة تشغيل أي شيء بأمان تام قبل الكثير والكثير من الاختبارات المهمة. ويقدم الكاتب مايكل لويس لمحة عن عالم في سان فرانسيسكو قام ببناء مختبر على عجالة، بهدف إجراء الآلاف من الاختبارات السريعة بصفة يومية، ولكن قدراته محدودة إثر النقص الملاحظ في المعدات، لا سيما «أعواد» سحب العينات من أنوف المرضى.
ويعد العلاج الفعال من أفضل السبل في إعادة المواطنين إلى أعمالهم سريعاً، ولقد وردتنا بالأمس أنباء طيبة بهذا الخصوص، من واقع دراسة صغيرة لعقار مضاد للفيروسات من إنتاج شركة «غيليد ساينسيس». وهو مما وصفته الكاتبة فاي فلام بأحد أفضل المنجزات العلمية الأربعة الكبرى في مكافحة الوباء الراهن. ولكن الدراسة المذكورة لا تزال محدودة، وتفتقر إلى المجموعة الضابطة، مع وجود قيود أخرى تجعل من السابق لأوانه كثيراً الإعلان الرسمي عن هذا الدواء الجديد. ولقد اندفعت أسواق الأسهم بطبيعة الحال وأضافت عدة مليارات من الدولارات للقيمة السوقية لشركة «غيليد ساينسيس»، فنفاد الصبر له مشاكله المعدية كذلك!
ولقد خرج تفاؤل المستثمرين عن طوق السيطرة بصورة عامة، وفي واقع الأمر، انتهت تداولات الأسهم بارتفاع ملحوظ للأسبوع الثاني على التوالي، على مجرد وعد بخطة إعادة التشغيل الأميركية. ولكن ليست لدينا فكرة محددة حتى الآن بشأن مدى انتشار الوباء، وعن الوقت الذي نحتاجه لكي ترجع الأمور إلى ما يقارب أوضاعها الطبيعية السابقة، ومدى الدمار الذي ألحقته الأزمة الراهنة بالأرباح في كل القطاعات. ومن دون النظرة الثاقبة على كل ما طرحناه، فإن هذا الارتفاع في الأسهم ليس راسخاً بأي حال.
ومن بين أكبر الرابحين في أسواق الأسهم كانت شركات التأمين الصحي بكل تأكيد، التي ازدهرت أعمالها خلال الوباء الراهن، حيث إنها غير مضطرة لسداد كثير من التعويضات مقابل العمليات الجراحية المتأخرة وغيرها من الإجراءات الأخرى. كما يبدو أن المستثمرين أكثر ثقة بأن نظام الرعاية الصحية سوف يخرج من هذه الأزمة في حالة سليمة، وذلك من الرهانات المثيرة للريبة مع احتمال معدلات البطالة التي تقارب 20 في المائة، ما يدفع الناس إلى التشكيك في مبادئ الرعاية الصحية القائمة على أرباب الأعمال في المقام الأول.
من غير المرجح للوباء الراهن والأزمة الاقتصادية المرافقة له أن يستثنيا أي دولة بعينها، سواء كانت دولة غنية أم فقيرة. ولكن هناك واجبات ملقاة على عاتق البلدان الغنية في مساعدة البلدان الفقيرة، وليس لأنه ذلك هو التصرف السليم في الآونة الراهنة، وإنما لأنه سوف يجعل من مكافحة الوباء والركود الاقتصادي أكثر يسراً وسهولة. ومع وضع ذلك في الاعتبار، ينبغي على البلدان الغنية اتخاذ قرار بتأجيل سداد الديون المستحقة على البلدان الفقيرة والناشئة لمدة عام واحد بعد انقضاء الأزمة الراهنة، وسحب ذلك القرار على كل الدائنين. وخلافاً لذلك، فإننا سوف نواجه موجة عارمة من التخلف عن سداد المستحقات لم نشهد مثلها منذ ثلاثينات القرن الماضي، ولن يكون ذلك في صالح أي جهة على الإطلاق.
ومما يؤسف له، وعلى العكس من الأزمات السابقة، لا يمكننا الركون إلى الصين كي تكون الجرار الاقتصادي الذي يخرج ببقية البلدان الآسيوية من المستنقع الآسن الراهن، كما حذر الكاتب دان موس.
ولكن هناك حفنة من الومضات البراقة في القطاع الخاص وإحيائه للمشاعر الوطنية، وللمجتمع الذي ساعد في التعافي من كوارث الحرب العالمية الثانية. إذ تُعيد الشركات اكتشاف أن مساعدة العملاء في نهاية المطاف هو من السياسات الجيدة للغاية في سير الأعمال التجارية واستمرارها، الأمر الذي ربما يقضي على نزعة الولاء السامة لأصحاب المصالح والمساهمين قبل كل شيء. وفي واقع الأمر، تتفوق أسهم الصناعات ذات التركيز الكبير على الممارسات البيئية، والاجتماعية، والحوكمة على نظرائهم خلال الأزمة الراهنة. وربما تستطيع الشركات توفير الخدمات للمجتمع ولأصحاب المصالح والمساهمين في نفس الوقت سواء بسواء.

- بالاتفاق مع «بلومبرغ»