بوتين القيصر يُحكم سلطاته

بوتين القيصر يُحكم سلطاته

الاثنين - 24 جمادى الأولى 1441 هـ - 20 يناير 2020 مـ رقم العدد [15028]
جيمس ستافريديس
- أميرال بحري متقاعد بالبحرية الأميركية وقائد عسكري سابق لحلف الناتو وعميد كلية فليتشر للحقوق والدبلوماسية بجامعة تافتس
< بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بما أعلنه بشكل مفاجئ في موسكو خلال الأسبوع الحالي، الطريق الذي يسمح له بممارسة سلطته بعد انتهاء مدته رسمياً عام 2024، وقد أدى ذلك سريعاً إلى استقالة رئيس الوزراء ديميتري ميدفيديف، الذي طالت معاناته، ومجلس الوزراء بالكامل. والآن سوف يقترح مجلس استشاري إدخال تعديلات على الدستور سوف تضعف بالتأكيد صلاحيات من يخلف بوتين في منصب الرئاسة، وتعزز على الجانب الآخر سلطة من يشغل منصب رئيس الوزراء.
لا يحتاج المرء إلى أن يكون مثل مكيافيللي لإدراك ما يحدث سياسياً، فالتسلل إلى منصب رئيس الوزراء، الذي يتمتع بصلاحيات كبيرة، عند انتهاء مدته الرئاسية هو من الطرق التي يمكن لبوتين تمديد فترة حكمه من خلالها. سوف يكون ذلك ذروة ما توقعه الأشخاص، الذين يخططون استراتيجياً ضد روسيا، لسنوات، وهو أن يصبح بوتين قيصر كل الروس لعقد آخر من الزمان وأكثر. ربما تكون الصحة فقط هي التي ستغير المسار الذي يتخذه حالياً.
الأسئلة التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها حول العالم واضحة وهي: ماذا يعني ذلك لاستراتيجية العظمة الروسية؟ كيف يمكنهم إيجاد طريقة للتعايش مع بوتين وروسيا؟
سوف يتمكن بوتين الآن، مثل الرئيس الصيني شي جينبينغ، من رسم الأحداث، والتخطيط لأجل غير مسمى. وسوف يعني ذلك استمرار توجيه السياسة الروسية على أساس الكثير من أولوياته الشخصية. من تلك الأولويات ولعه بممارسة ضغط كبير على دول الجوار الضعيفة في محاولة إعادة إقامة مجموعة الدول، التي تعمل كمصدّ أو حاجز، أو ما يطلق عليه الروس «الخارج القريب»، والتي كان يتمتع بها الاتحاد السوفياتي في دول حلف وارسو. سوف تشعر دول مثل أوكرانيا وجورجيا اللتين تم غزوهما واحتلالهما جزئياً من جانب القوات الروسية، وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، و«مشجعي» آسيا الوسطى، وأرمينيا بضغط طويل الأمد عليها للمشاركة في الترتيبات التي تقودها روسيا فيما يتعلق بالجمارك، وستواجه ضغطاً سياسيا للتماشي مع التحركات السياسية والدبلوماسية لبوتين.
انظر أيضاً كيف يعزز بوتين مكاسبه الأخيرة في الشرق الأوسط، في ظل وجود ميزة الإطار الزمني الممتد، من المرجح أن يتقدم إلى إيران بعرض وساطة في نزاعها مع الغرب، على أساس شروط نافعة لروسيا فيما يتعلق بتدفق النفط. لن يكون من المرجح أن يتحمل بوتين مسؤولية إعادة إعمار سوريا نظراً لحاجته إلى سيولة نقدية للإبقاء على رضا الشعب الروسي الذي يزداد عناداً وتململاً، وهو ما سيتسبب في إحباط حليفه السابق الرئيس بشار الأسد. وسوف يتيح له الإطار الزمني الجديد العمل عن كثب مع الجيل الجديد من قادة منطقة الخليج وإيران.
من أكثر ما يثير قلق الغرب تمكن بوتين وشي الآن من تعزيز علاقتهما القوية بالفعل على نطاق واسع، حيث تتعاون كل من الصين وروسيا عسكرياً على نحو غير مسبوق، ومن الأمثلة على ذلك التدريبات البحرية المشتركة الأخيرة التي امتدت من المحيط الهندي إلى بحر البلطيق وغرب المحيط الهادي. وتم تنظيم أكبر مناورات عسكرية في التاريخ منذ حقبة ما بعد الحرب الباردة على مدى عام على الحدود السيبيرية المشتركة بين البلدين. كذلك من الواضح قيام البلدين بالتنسيق بين سياساتهما تجاه إيران وكوريا الجنوبية. في الوقت الذي ربما ينتهي الأمر بروسيا إلى الندم على ما هو حتمي، حيث ستصبح شريكاً أقل مكانة لبكين، في الوقت الحالي، سوف يصبح بوتين بفضل تحركاته نحو السلطة شبيهاً لشي، ولكن على نحو أكثر جاذبية. سوف تزداد قوة رغبة بوتين المستمرة في تقويض منظمة حلف شمال الأطلسي، من خلال إثارة شقاق دبلوماسي بين الولايات المتحدة وحلفائها. وسوف يتمكن أيضاً من تعزيز العلاقات التجارية والاستخباراتية مع تركيا لإبعادها عن مركز ثقل حلف شمال الأطلسي. كذلك سوف تستخدم روسيا وسائل التواصل الاجتماعي كسلاح لتقويض الثقة الشعبية في التحالف، والعثور على نقاط ضعف وانقسامات بين الحلفاء، ولإقناع الولايات المتحدة بأن الأوروبيين لا يقومون بواجبهم.
يعزز ذلك التحرك استراتيجية بوتين الرامية إلى إقامة استثمارات في الدفاع ذي التقنيات العالية من المحتمل أن تكون هي الأكثر ضرراً للولايات المتحدة الأميركية. يشمل ذلك تدشين خط جديد من صواريخ «الكروز» (الجوالة الموجهة) الأسرع من الصوت المصممة لاختراق أي نظام دفاع صاروخي أميركي، وغواصات صامتة مزودة بطوربيدات تعمل بوقود نووي، ومجموعة قوية من الأسلحة الإلكترونية القادرة على مهاجمة الشبكة الكهربائية الأميركية وشبكاتها المالية.
ينبغي علينا إدراك أن بوتين سوف يواجه تحديات مثله مثل أي قائد آخر، فضلا عن مشكلات من صنيعته من المرجح أن تتفاقم بمرور الوقت، مثل عدم امتلاكه خطة للخروج من سوريا، وعجزه عن تنويع مصادر اقتصاد بلده، بحيث لا يعتمد على تصدير النفط فحسب، إلى جانب تعزيز القدرات العسكرية مع إثارة غضب شعبه بخفض المعاشات، وتوقع بعض حلفائه الحصول على مساعدات من روسيا، واستمرار تكلفة احتلال كل من جورجيا وأوكرانيا.
مع ذلك على القيادات وواضعي السياسات في الولايات المتحدة إدراك الأمر الواقع المتمثل في بوتين، والتخطيط على أساس بقائه إلى الأبد. يستطيع بوتين، مثل رفيقه جينبينغ، الانخراط في التخطيط الاستراتيجي لعقود مقبلة. عندما كنت مخططاً استراتيجياً في البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) برتبة لواء بحري، كنا نحيي بعضنا بعضا إذا تمكنا من وضع خطة استراتيجية خمسية فحسب، رغم أنها كانت كثيرا ما تفشل عند تغير الإدارة. سوف يظل الروس يتمتعون بالهيمنة والسيطرة على الوضع. رغم أن لذلك عيوباً وأضراراً كثيرة، أوضحها رفض الديمقراطية كقيمة إنسانية، وهي من السمات التي كثيراً ما تؤدي إلى كارثة مثل تلك التي حدثت في الاتحاد السوفياتي، إلا أنه يتيح عملية اتخاذ قرار سلسة كثيراً ما تساعد في نجاح التخطيط طويل الأجل.
سوف يتعين علينا نحن في الغرب الاعتراف بمواهب بوتين، ونقاط ضعفه عند التفكير في استراتيجية عالمية. سيكون من الصعب أن يكون هو اختيارنا الأول كقائد روسي، لكن كما نقول في فلوريدا الشمالية: «أحياناً يجب على المرء الاستعداد لما سيحدث على أي حال».
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة