قصة ظريفة ودلالاتها السياسية

قصة ظريفة ودلالاتها السياسية

الثلاثاء - 27 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 24 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [15001]
حمد الماجد
استاذ في جامعة الإمام بالرّياض، وعضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا

شكا لي صديق في الحي حادثة نزاع طريفة بسيطة بين أولاده وأولاد جيرانه، لكن لها دلالات وإسقاطات في العلاقات الإنسانية، خصوصاً العلاقات السياسية. قال لي إن أولاده كانوا يلعبون الكرة في حوش البيت فيحدث أن يركلها أحد أولاده فتقع الكرة في حوش جاره، فيعمد أولاد الجيران إلى الاستحواذ على الكرة واللعب بها ثم تمزيقها، فيثأر أولاد صديقي بتمزيق كرة جارهم إذا سقطت في حوشهم. وهكذا استمر تبادل أولاد الجارين تمزيق الكرات الساقطة في الحوشين، مما أدى إلى نزف في المصروف المخصص للأولاد، فتوترت العلاقات بين الأولاد في البيتين حتى وصلت إلى حد التشابك بالأيدي، مما استدعى مفاوضات بين الأبوين دون أن تفضي إلى حل جذري للمشكلة. قلت له باسماً: عندي اقتراح لعله يحل تشابكات الأيدي والتمزيق المتبادل للكرات ويزيل التوتر بين الأسرتين... اذهب إلى السوق واشترِ كرة عليها شعار الفريق الذي يشجعه أولاد جارك وبعض الحلويات الطفولية اللذيذة، وإذا رأيت ابن الجار الذي يمارس هواية تمزيق كرات أولادك، فسلم عليه وتلطف معه وامتدح أخلاقه وجيرته ولا تستفزه باستدعاء ذاكرة النزاع الكروي المستديم بينه وبين أولادك، ثم قدم له هدية الكرة والحلويات. قال لي: هؤلاء أشقياء لم ينفع معهم القسوة والتأنيب، فكيف باللين والهدايا و«التدليع»؟ ثم إنهم سيفسرونه ضعفاً. قلت له: امنح خطتي فرصة، ففعل مشكوراً ونفذ ما اقترحته عليه. قلت له الآن جاء دور اختبار الخطة، اطلب من ابنك أن يرمي الكرة في الحوش، وفي اليوم التالي أفادني مندهشاً ومسروراً بأن كرتهم رجعت سالمة وفي وقت قياسي، وأن أزمة العلاقة بينه وبين جيرانه بدأت في الانفراج. قلت له ربما خسرتَ بعضَ المبلغ في شراء الهدية لمن أساء إليكم، ولكن بالتأكيد توقف نزف المصروف، ونزف راحة البال، ونزف حسن العلاقة بالجار، ونزف الاهتمام بالأولويات.
العلاقات بين البشر؛ بدءاً من علاقات الأسرة الواحدة، إلى العلاقات بين الدول (في الغالب الأعم)، تحتاج إلى الحنكة والحكمة؛ لا العنف والقوة والقسوة... القوة الناعمة واللين والتغاضي أدوات جبارة في إذابة الخصومات وتليين العداوات وتحييد الخصوم. الأفراد والعائلات ورجال الأعمال والمسؤولون الكبار والصغار في القطاعين العام والخاص تحدث بينهم حوادث كحوادث الكرات الممزقة بين أولاد الجيران، فإن أدار الأزمات البينية العقلاء الحكماء، تلاشت الخصومات وقلّت العداوات، والعكس بالعكس.
حين صدر قرار تعييني مديراً للمركز الإسلامي بلندن في منتصف التسعينات بترشيح من السفير المميز غازي القصيبي، رحمه الله، قلتُ له: عالمية المركز والتنوع الفكري والمذهبي والسياسي للأقلية المسلمة في بريطانيا تحتّم عليّ أن أنفتح على الجميع، الخصوم قبل الأصدقاء؛ الأصدقاء أوثّق العلاقة بهم، والخصوم أتغاضى عن عداوتهم كي أُدْنيهم، فإن دنوا؛ فذاك ما كنا نبغي، وإن لم يدنوا فلا أقل من تحييدهم، فحسن العلاقة بهم تذيب جليد الخصومة. قال لي: إذا لم تفعل ذلك فليس مكانك المركز.
عدد الكرات التي مزقها الخصوم في لندن كبير، ولو مزقتُ كراتهم كما فعلوا لراح المركز في قلاقل ومحن وإحن لا تنتهي، تستهلك الجهد والوقت والمال.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة