قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

الحكم يمنح بكين دفعة معنوية بمفاوضاتها قبيل القمة المرتقبة في أبريل

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين منعطفاً جديداً من الغموض والتعقيد، عقب قرار المحكمة العليا الأميركية، القاضي بإبطال الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب. هذا الحكم، الذي وصفه مراقبون بأنه «ضربة قضائية» لاستراتيجية ترمب الاقتصادية، أعاد خلط الأوراق في التنافس المحموم بين أكبر اقتصادين في العالم، ووضع الجانبين أمام تحدي تجنب «حرب تجارية شاملة» قد تعصف باستقرار الاقتصاد العالمي المهتز أصلاً.

ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك والمدعي العام دي جون ساوير يعقد مؤتمراً صحافياً في البيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

انتصار قانوني لبكين

أدى قرار المحكمة العليا، بإسقاط التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب بموجب صلاحيات الطوارئ، إلى خلق حالة من عدم اليقين في الأوساط التجارية. ورغم أن هذا الحكم يبدو في ظاهره تعزيزاً لموقف الصين التفاوضي، فإن المحللين في واشنطن يحذرون من أن بكين ستتوخى الحذر الشديد في استغلال هذا الامتياز، وفق «أسوشييتد برس».

وترى سن يون، مديرة برنامج الصين في «مركز ستيمسون»، أن الحكم يمنح بكين «دفعة معنوية» في مفاوضاتها مع فريق ترمب قبيل القمة المرتقبة، لكنها تستدرك بأن الصينيين مستعدون لسيناريو ألا يتغيَّر شيء على أرض الواقع، نظراً لامتلاك ترمب بدائل قانونية أخرى لفرض رسوم جديدة.

غضب ترمب... والخطة «ب»

لم يتأخر رد فعل ترمب على الهزيمة القضائية؛ إذ أعرب عن غضبه الشديد، معلناً فوراً عن «خطة بديلة» تتضمَّن فرض تعريفة عالمية مؤقتة بنسبة 10 في المائة، ليعلن لاحقاً أنه ​سيرفع ‌الرسوم ⁠الجمركية ​العالمية المؤقتة على ⁠الواردات إلى 15 ⁠في المائة، بالتوازي مع البحث عن مسارات قانونية بديلة لإعادة فرض الضرائب الاستيرادية.

وفي خطاب مشحون بنبرة قومية، حمّل ترمب الصين مسؤولية التحديات التي تواجه الهيمنة الأميركية، قائلاً: «الصين حقَّقت مئات المليارات من الفوائض معنا. لقد أعادوا بناء جيشهم بأموالنا لأننا سمحنا بذلك». ورغم هجومه الحاد، فإن ترمب حرص على التأكيد على «علاقته الرائدة» مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، مشيراً إلى أن بكين باتت «تحترم الولايات المتحدة الآن».

قمة كسر الجمود

أكد البيت الأبيض أن ترمب سيتوجَّه إلى بكين في رحلة مرتقبة بين 31 مارس (آذار) و2 أبريل (نيسان) للقاء الرئيس شي جينبينغ. ووفقاً لخبراء في «مجموعة الأزمات الدولية»، فإن الزعيم الصيني من غير المرجح أن «يتبجح» بقرار المحكمة العليا خلال لقاء ترمب، بل سيحاول بدلاً من ذلك تعزيز الرابط الشخصي مع الرئيس الأميركي.

الهدف الصيني من هذه الاستراتيجية هو تثبيت «هدنة تجارية» هشة تسمح لبكين بالحصول على تنازلات أمنية، وتمنحها حرية أكبر للمناورة في آسيا، مقابل تقديم ضمانات شراء لسلع أميركية أو تقديم تنازلات اقتصادية محدودة.

حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

ردود فعل دولية

لم يقتصر القلق من الحكم القضائي على واشنطن وبكين؛ بل امتد إلى شركاء تجاريين آخرين في آسيا وخارجها. إذ تترقب طوكيو بحذر تداعيات القرار، خصوصاً قبل زيارة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي المقررة لواشنطن في مارس. وتخشى اليابان، الحليف الاستراتيجي لأميركا، من أن يؤدي الغموض التجاري إلى مزيد من التدهور في علاقاتها المتوترة أصلاً مع بكين.

كما يرى دان كريتنبرينك، الشريك في «ذي آجيا غروب»، أن معظم الشركاء الآسيويين سيتصرفون بحذر، محاولين الحفاظ على الاتفاقات الحالية ريثما تتضح ملامح السياسة الأميركية الجديدة في الأسابيع المقبلة.

قانون التجارة... والتحقيقات النشطة

تشير ويندي كوتلر، نائبة رئيس «معهد سياسات جمعية آسيا»، إلى أن إدارة ترمب قد تلجأ إلى «تحقيقات نشطة» يجريها مكتب الممثل التجاري الأميركي حول مدى التزام الصين باتفاقات سابقة. إذا خلص التحقيق إلى أن الصين لم تفِ بالتزاماتها، فإن القانون الأميركي يمنح الرئيس الحق في فرض تعريفات جمركية دون الحاجة لقوانين الطوارئ التي أبطلتها المحكمة.

وبينما تحاول السفارة الصينية في واشنطن تهدئة الأجواء بالدعوة إلى «الاستقرار واليقين»، يبدو أن الساحة مهيأة لمرحلة من «عض الأصابع» السياسية. وبحسب غابرييل ويلداو، المدير المنتدب في مؤسسة «تينيو»، فإن بكين تدرك أن ترمب قادر على إعادة إنشاء التعريفات بصعوبات متواضعة، لكنها تأمل في إقناعه بخفضها مقابل تقديم «ضمانات شراء» ضخمة، أو تنازلات جيوسياسية.


مقالات ذات صلة

الهند: علاقتنا مع أميركا «جيدة جداً» رغم التوترات التجارية

الاقتصاد شاحنة تنقل حاوية داخل ميناء ثار بمدينة ساناند في ولاية غوغارات الهندية (رويترز)

الهند: علاقتنا مع أميركا «جيدة جداً» رغم التوترات التجارية

قال وزير التجارة الهندي بيوش غويال إن علاقات بلاده مع الولايات المتحدة «جيدة جداً»، رغم استمرار التوترات التجارية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد رجل يقف بجوار شعار اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في بوينس آيرس بالأرجنتين (رويترز)

وزراء التجارة الـ20 يفتتحون محادثاتهم في الولايات المتحدة

يبدأ وزراء التجارة في مجموعة العشرين محادثاتهم، الأربعاء، في الولايات المتحدة، وسط أجواء متوترة بفعل الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (ميلووكي (الولايات المتحدة))
الاقتصاد حاويات الشحن في ميناء مونتريال بكندا (رويترز)

أميركا تبدأ حظر دخول منتجات كندية بقيمة مليار دولار

من المرجح أن تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وكندا مزيداً من التدهور، بعدما مضت الولايات المتحدة قُدماً في تنفيذ قرار بحظر دخول واردات كندية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفينة شحن مليئة بحاويات الشحن في ميناء أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

الصين وأميركا تتفقان على خفض جمركي بـ30 مليار دولار

قالت وزارة الخارجية الصينية إن الصين والولايات المتحدة اتفقتا على ترتيب متبادل لخفض الرسوم الجمركية بقيمة 30 مليار دولار، وإطلاق حوار بشأن الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)

غورغييفا: مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق فرصه في غياب الضمانات

كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)
كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)
TT

غورغييفا: مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق فرصه في غياب الضمانات

كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)
كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)

قالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، يوم الجمعة، إن مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق الفرص التي يتيحها في غياب ضمانات كافية وإطار أخلاقي، مؤيدةً نهجاً يجمع بين التنظيم الذاتي للقطاع ومشارَكة الحكومات الرئيسية.

وتصدرَّت هذه التكنولوجيا الناشئة مناقشات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين، المنعقدة هذا الأسبوع في بانكوك. وكان صندوق النقد الدولي قد حذَّر يوم الثلاثاء من مخاطر جسيمة تهدِّد النمو والاستقرار المالي، في ظلِّ احتمالات انتهاء طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وارتفاع مستويات الديون، واستمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وخلال حلقة نقاش، شارك فيها جاك كلارك أحد مؤسسي شركة «أنثروبيك»، أشارت غورغييفا إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تعزيز الاقتصاد العالمي، لكنه قد يتسبب أيضاً في صدمات سلبية إذا لم يحقِّق مكاسب كبيرة في الإنتاجية بالسرعة المأمولة.

وقالت: «في غياب الضمانات، قد تفوق المخاطر الفرص. والأهم من ذلك، نحن بحاجة ماسة إلى أساس أخلاقي، ولست متأكدة مما إذا كنا قد وصلنا إلى هذه المرحلة بوصفنا مجتمعاً».

وأضافت غورغييفا أن تمكين الناس في مختلف أنحاء العالم من الاستفادة من هذه التكنولوجيا سريعة التطور يتطلب توافر شروط مسبقة، من بينها البنية التحتية الرقمية والكهرباء والأطر التنظيمية الملائمة.

وأوضحت أن التحدي الأكبر يتمثَّل حالياً في كيفية وضع ضوابط وقائية لتكنولوجيا تتطور بوتيرة فائقة السرعة، مشبهةً تطورات الذكاء الاصطناعي بسيارات سباق «فورمولا 1» تنطلق بسرعة هائلة من دون حواجز تحمي الجمهور.

معايير قائمة على المنطق السليم

رأت غورغييفا أن التنظيم الذاتي للقطاع يمثل خياراً مناسباً، نظراً إلى أن الحكومات ليست في وضع مثالي لتنظيم قطاع يشهد تغيُّرات متواصلة أو الإشراف عليه. لكنها شدَّدت في الوقت نفسه على ضرورة إشراك المجتمع في هذه العملية.

وأضافت أن الدول التي تمتلك أكبر قطاعات الذكاء الاصطناعي، مثل الولايات المتحدة والصين والهند، إلى جانب الدول المشارِكة في سلاسل توريد هذه التكنولوجيا، ينبغي أن تكون جزءاً من هذا المسار.

وأكدت أيضاً ضرورة مشاركة المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، في حدود اختصاصاتها، لا سيما فيما يتعلق بنمو الإنتاجية وأسواق العمل والمخاطر التي تهدِّد الاستقرار المالي.

وقال كلارك، مواصلاً التشبيه، إن الأمر «أشبه بسباقات فورمولا 1 ليلاً، لكن ربما من دون مكابح في السيارات». وأكد أن وضع المعايير أمر ممكن، مشيراً إلى أنه بدأ بالفعل من خلال أطر السياسات الأولية في الاتحاد الأوروبي والالتزامات الطوعية في الولايات المتحدة.

وأوضح أن شركته تجري اختبارات دورية لأنظمتها، وتنشر تفاصيل هذه الاختبارات وتتبادل المعلومات المتعلقة بها، لكنه أشار إلى أن الاعتماد على الالتزامات الطوعية وحدها لا يكفي.

ورداً على سؤال بشأن تأييده فرض الدول التي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي قواعد تنظيمية عليها، أجاب كلارك: «نعم. نحن بحاجة إلى معايير قائمة على المنطق السليم؛ فهذه هي الطريقة المثلى لتعزيز الثقة في التكنولوجيا وبناء الاقتصاد».

وأضاف أن «أنثروبيك» استعانت بجهات تقييم خارجية ومنحتها صلاحيات للاطلاع على البيانات، قائلاً: «نعتقد في نهاية المطاف أن على كثيرين غيرنا القيام بالشيء نفسه». ورحَّب في الوقت نفسه بتصريح إيلون ماسك بأن شركته «سبايس إكس» قد تتبع النهج ذاته.

ذكاء اصطناعي... أم «ذكاء فائق»؟

من جانبها، قالت إيرين براون، وكيلة وزارة الخزانة الأميركية، خلال مؤتمر صحافي منفصل، إن صندوق النقد الدولي يركز بصورة مفرطة على المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، وينبغي له إيلاء اهتمام أكبر للفرص التي قد تفضي إلى طفرات اقتصادية إيجابية، مثل الذكاء الاصطناعي، الذي باتت الحكومة الأميركية تطلق عليه اسم «الذكاء الفائق».

وفي تصريح لوكالة «رويترز» يوم الخميس، قالت براون إن واشنطن تجري محادثات مع مساهمين آخرين في صندوق النقد الدولي لاعتماد المصطلح الجديد في بيان مشترك تعمل اللجنة التوجيهية للصندوق على صياغته.

من جهته، أعرب أندرو بيلي، محافظ «بنك إنجلترا»، خلال اجتماع لـ«معهد التمويل الدولي»، عن تفاؤله، بدرجة أكبر مما كان عليه قبل شهر، بإمكانية توصُّل الدول إلى توافق بشأن معايير اختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقال مازحاً: «لست متأكداً مما إذا كان ينبغي لنا الحديث عن الذكاء الاصطناعي الآن! لقد استخدمت مؤخراً عبارة (الكيان الذي كان يُعرف سابقاً باسم الذكاء الاصطناعي)».

كما شارك رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش، في نقاش منفصل، موجهاً حديثه إلى غورغييفا بالقول: «كريستالينا، أنتم تسمونه (الذكاء الاصطناعي)، أما في الولايات المتحدة فنحن نطلق عليه الآن اسم (الذكاء الفائق)».


اضطرابات السندات الأوروبية تثير مخاوف بشأن مخاطر صناديق التحوط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

اضطرابات السندات الأوروبية تثير مخاوف بشأن مخاطر صناديق التحوط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

أظهرت موجة البيع الحادة التي شهدتها السندات الحكومية الأوروبية، هذا الشهر، كيف أن الدور المتنامي لصناديق التحوط يجعل إحدى الأسواق ذات الأهمية النظامية أكثر عرضة للاضطرابات، وهو خطر يراقبه المنظمون عن كثب.

ظاهرياً، كانت أسباب ارتفاع عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها في 24 عاماً واضحة، وتشمل ازدياد أعباء الدين الحكومي، والتضخم الذي تؤججه تكاليف الطاقة المرتفعة، والمنافسة على رؤوس الأموال الناجمة عن الطفرة العالمية في مراكز البيانات، التي تدعم النمو الاقتصادي.

لكن بعض المستثمرين قالوا إن حجم التحركات وسرعتها يشيران إلى أن صناديق التحوط كانت تغذي التقلبات في السوق، من خلال التخارج السريع من مراكزها الاستثمارية، وفق «رويترز».

ولم يسبق الارتفاعات اليومية الكبيرة وغير المعتادة في العوائد، التي تجاوزت 10 نقاط أساس، محفز واضح. كما ارتفع الفارق الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بالسندات الفرنسية بدلاً من الألمانية بنحو 25 نقطة أساس خلال يومين، في أكبر زيادة من نوعها منذ أزمة ديون منطقة اليورو. وترتفع العوائد عندما تنخفض أسعار السندات.

ويقدّر البنك المركزي الأوروبي أن صناديق التحوط تستحوذ على أكثر من نصف التداولات في سوق السندات الحكومية الأوروبية، التي تبلغ قيمتها نحو 13 تريليون دولار، مقارنة بنحو 30 في المائة في عام 2020. ويقول صندوق النقد الدولي إن انكشاف صناديق التحوط على السندات السيادية تضاعف أكثر من مرتين منذ عام 2022، من دون تحديد إجمالي قيمته.

وقالت لوريلين رينو-شاتلان، مسؤولة استراتيجية الدخل الثابت في «بيكتت لإدارة الثروات»: «تضخم مجتمع صناديق التحوط بشكل كبير. وهذا يؤدي إلى مزيد من التقلبات في سوق السندات، وقد يفسر شدة موجة البيع في فرنسا، في وقت لم يكن فيه هناك محفز حقيقي واضح».

صناديق التحوط قد تضخم تحركات الأسعار

تدير صناديق التحوط أصولاً تتجاوز قيمتها 40 تريليون دولار، بما يشمل الأموال المقترضة التي تستخدمها لزيادة الرافعة المالية في رهاناتها، فضلاً عن انكشافها من خلال المشتقات المالية، وفقاً لصندوق النقد الدولي. ونادراً ما تكشف هذه الصناديق تفاصيل استثماراتها، كما تراهن على انخفاض أسعار الأصول وارتفاعها على حد سواء.

وتكتسب أنشطة هذه الصناديق في تداول الديون السيادية أهمية خاصة، نظراً إلى تأثيرها في قدرة الحكومات على التمويل، وهو ما قد ينعكس بدوره على تكاليف الاقتراض للشركات والأسر.

وقال صندوق النقد الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) إن زيادة نشاط التداول لدى صناديق التحوط قد «تفاقم اختلالات الأسعار وضغوط السيولة خلال فترات التوتر». وأشار إلى مخاطر الاقتراض الذي تلجأ إليه هذه الصناديق، فضلاً عن تركز الاستثمارات في صفقات متشابهة، بحيث تتخذ صناديق عديدة مراكز متقاربة.

ورفضت الهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق، الجهة الرقابية المالية في المنطقة، التعليق على هذا التقرير.

وقال برونو شنيلر، الشريك الإداري في شركة «إيرلن كابيتال مانجمنت»، التي تستثمر في صناديق التحوط، إن بعض الاستراتيجيات الشائعة لدى هذه الصناديق تتأثر بشدة بتغيرات الأسعار والتقلبات.

وتشمل هذه الاستراتيجيات صفقات المراجحة بين أسعار السندات النقدية والعقود الآجلة، وصفقات العائد الممولة بالاقتراض والرافعة المالية. ففي صفقات المراجحة بين السندات والعقود الآجلة، تسعى صناديق التحوط إلى تحقيق أرباح من الفارق المحدود بين أسعار السندات والعقود الآجلة المرتبطة بها. أما صفقات العائد، فتقوم على الاقتراض بعملة ذات أسعار فائدة منخفضة للاستثمار في أصول أخرى.

وقال شنيلر إن تغير ظروف السوق قد يدفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم بسرعة نسبية، «ما يخلق احتمال أن تصبح تحركات السوق معززة لنفسها».

لكنه حذّر من عزو التقلبات الأخيرة إلى صناديق التحوط وحدها، نظراً إلى وجود عوامل أساسية مؤثرة، لا سيما في فرنسا.

فقد تؤدي التجاذبات السياسية قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027 إلى عرقلة الجهود الرامية إلى خفض العجز الفرنسي المرتفع، وهو أحد العوامل التي أثارت قلق الأسواق.

صناديق التحوط تملأ الفراغ مع تراجع مستثمرين آخرين

قال جيري كرول، الرئيس العالمي للشؤون الحكومية في «رابطة إدارة الاستثمارات البديلة»، وهي مجموعة تمثل قطاع الاستثمارات البديلة، إن صناديق التحوط تُعد أحد أهم مصادر السيولة في أسواق السندات.

وأضاف: «فيما يتعلق بديناميات السوق الأخيرة، نحذر من إطلاق أحكام متسرعة وعامة استناداً إلى أدلة غير كافية أو أمثلة محدودة بشأن دور فئات بعينها من المشاركين في السوق».

وقد استحوذت صناديق التحوط على حصة أكبر من أسواق السندات الحكومية مع تراجع إقبال مشترين آخرين. فالبنوك المركزية تقلص ميزانياتها العمومية، والتغييرات في أنظمة التقاعد تحد من الطلب على الديون السيادية، فيما تقيد القواعد التنظيمية قدرة البنوك على الاحتفاظ بالسندات.

ويمكن لمشاركة صناديق التحوط أن تساعد الأسواق على العمل بسلاسة في وقت تتزايد فيه احتياجات الحكومات إلى الاقتراض، كما يسهم نشاطها المتكرر في التداول في تعزيز السيولة.

وقالت ماريون لو مورديك، رئيسة الاستثمار في الدخل الثابت لدى «فيدليتي إنترناشونال»: «يدرك الجميع إلى حد ما الدور الذي تؤديه صناديق التحوط، ويقدّرونه».

لكن الصفقات الشائعة لدى صناديق التحوط غالباً ما تكون مزدحمة بالمستثمرين وممولة بالديون، كما أن تركيز هذه الصناديق على المدى القصير قد يدفعها إلى الخروج المفاجئ والجماعي من مراكزها إذا تحركت الأسواق في غير مصلحتها، ما يستنزف السيولة ويفاقم تحركات الأسعار.

وقالت لو مورديك: «تقضي صناديق التحوط تماماً على نشاط السوق في مثل هذه الظروف». وأضافت: «بالنسبة إليّ، فإن هذا يفسر بالكامل تراجع السيولة في أوائل أكتوبر».

وعندما سُئل المدير المالي لمصرف «جي بي مورغان»، أحد عمالقة وول ستريت، يوم الثلاثاء عن التهديد النظامي الذي تمثله صناديق التحوط، قال للمحللين إن هذا القطاع كان «مصدر مخاطر للنظام منذ فترة طويلة، والجميع يعرف ذلك، بما في ذلك صناديق التحوط نفسها».

وقال جيريمي بارنوم إن الرافعة المالية التي تستخدمها هذه الصناديق تندرج ضمن فئة «المخاطر المعروفة التي لا تزال تفاصيلها غير معروفة بالكامل». وأضاف: «هذا لا يعني أنها خالية من المخاطر، لكننا نعرف إلى حد ما طبيعة هذه المخاطر».

تحت المراقبة

شهدت السندات قصيرة الأجل تقلبات حادة على نحو خاص في أوائل أكتوبر. فقد ارتفعت عوائد السندات الفرنسية لأجل عامين، في حين انخفضت العوائد الألمانية مع تدفق الاستثمارات نحو الأصول الآمنة، واتسع الفارق بينهما بمقدار 21 نقطة أساس، في أكبر زيادة يومية منذ عام 2012.

وغالباً ما تستخدم صناديق التحوط السندات الحكومية الفرنسية ضماناتٍ عند الاقتراض لتمويل رهاناتها الاستثمارية. وتشكل الديون الفرنسية نحو 100 مليار يورو (112 مليار دولار) من إجمالي 250 مليار يورو من السندات الحكومية في منطقة اليورو المقدمة ضماناتٍ مقابل الاقتراض في سوق اتفاقيات إعادة الشراء (الريبو)، وفقاً لبيانات بنك فرنسا.

ويراقب بنك إنجلترا أيضاً سوق اتفاقات إعادة الشراء، التي تمثل مصدراً أساسياً للتمويل بالنسبة إلى المؤسسات المالية خلال فترات الضغوط. ويقدّر البنك أن صناديق التحوط مسؤولة عن 85 مليار جنيه إسترليني (113 مليار دولار) من إجمالي الاقتراض الصافي البالغ 200 مليار جنيه إسترليني في سوق اتفاقات إعادة الشراء المدعومة بالسندات الحكومية البريطانية.

وقال أحد كبار المستثمرين في السندات الأوروبية لـ«رويترز»، إن دور صناديق التحوط أصبح موضوعاً رئيسياً يناقشه المنظمون مع الشركة خلال اجتماعاتهم.

وذكرت رينو-شاتلان من «بيكتت» أن سيولة السندات الفرنسية في أوائل أكتوبر كانت الأسوأ منذ عام 2008.

ويجعل ضعف السيولة التداول أكثر صعوبة ويرفع الرسوم التي يتقاضاها الوسطاء. وفي الحالات القصوى، قد يمتنع الوسطاء عن تقديم أسعار، ما يؤدي إلى شلل الأسواق.

ومع ذلك، أشار تقرير منفصل لصندوق النقد الدولي صدر يوم الثلاثاء إلى أن الأسواق تعاملت جيداً مع الضغوط الأخيرة. كما قال مديرو الصناديق الستة الذين تحدثت إليهم «رويترز» إن التقلبات لم تؤثر حتى الآن، بوجه عام، في استراتيجياتهم، بل إنها أوجدت فرصاً استثمارية في بعض الأحيان.

وقالت ميكيلا باريليتي، رئيسة الائتمان في «ستاندرد لايف»: «التقلبات تكون مفيدة أحياناً... فقد أصبحت السندات الفرنسية (OATs) رخيصة نسبياً مقارنة بمخاطر الائتمان»، وأضافت: «نتعامل مع السندات الفرنسية بحذر، لكننا زدنا حيازاتنا منها بالفعل خلال موجة البيع».


الهند توسّع إجراءات الدفاع عن الروبية لتشمل أسعار الفائدة

رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)
رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)
TT

الهند توسّع إجراءات الدفاع عن الروبية لتشمل أسعار الفائدة

رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)
رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)

يعتزم البنك المركزي الهندي مواصلة تشديد الأوضاع النقدية لمواجهة تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج وزيادة تكلفة المراهنة على تراجع الروبية، لكنه سيتجنَّب اللجوء إلى إجراءات حادة كتلك التي اعتمدها خلال أزمة سابقة للعملة، وفقاً لمصدرين ومحللين.

ورفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة الرئيسية هذا الشهر للمرة الأولى منذ 4 سنوات، بالتوازي مع سحب السيولة من الأسواق عبر بيع السندات، وتشديد متطلبات الاحتياطي الإلزامي على البنوك، وفرض قيود أكثر صرامة على معاملات التحوط الكبيرة في سوق الصرف الأجنبي.

وجاءت هذه الخطوات بعدما تجاوز التضخم المستوى المستهدف من البنك المركزي، وفي وقت اقتربت فيه الروبية، التي تُعدُّ من بين أسوأ العملات أداءً في آسيا منذ بداية العام، مع تراجعها بنحو 6 في المائة، من كسر أدنى مستوى سابق لها عند 96.96 روبية للدولار. غير أن العملة الهندية تعافت منذ ذلك الحين إلى 94.71 روبية للدولار، وفق «رويترز».

وقال أحد المصدرين المطلعين على توجهات البنك المركزي: «يتبع البنك المركزي نهجاً محسوباً في تشديد السياسة النقدية، ما يعني تشديد الأوضاع على نطاق واسع»، مضيفاً أن البنك سيواصل تقييم الحاجة إلى مزيد من التشديد، بما في ذلك سحب السيولة.

وأضاف المصدران أن المراجعة المقبلة للسياسة النقدية، المقررة في ديسمبر (كانون الأول)، قد تشهد أيضاً مناقشة زيادة أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس، إذا استدعت تطورات التضخم تقديم زيادات الفائدة إلى موعد أقرب.

وتتولى لجنة للسياسة النقدية مؤلفة من 6 أعضاء، بينهم 3 أعضاء من خارج البنك المركزي، اتخاذ القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة.

وقال محافظ بنك الاحتياطي الهندي سانجاي مالهوترا، في مقابلة، إن السياسة النقدية لا يمكن فصلها تماماً عن الاستقرار المالي. ويمثل هذا التصريح تحولاً عن موقف البنك السابق الذي أكد فيه أن أسعار الفائدة لن تُستخدَم للدفاع عن العملة، ما دفع المتداولين إلى زيادة رهاناتهم على رفع الفائدة.

وتعكس سوق مبادلات الروبية حالياً توقعات بإمكانية تنفيذ زيادة كبيرة في أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، بينما بدأ محللون يضعون في حساباتهم احتمال رفعها بمقدار 50 نقطة أساس.

وقال بنك «إتش إس بي سي»، في تقرير صدر يوم الأربعاء، إنه يتوقع رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس في ديسمبر، لينضم بذلك إلى بنك الدولة الهندي الذي تبنى التوقع نفسه.

أدوات التدخل في سوق الصرف آخذة في التراجع

في إطار سلسلة من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي الهندي منذ مارس (آذار) للدفاع عن الروبية، نجح في تعبئة نحو 150 مليار دولار من خلال تدابير تستهدف جذب التدفقات المالية، من بينها برنامج لودائع الدولار يقدم حوافز للجالية الهندية في الخارج.

كما خفّض البنك حدود مراكز النقد الأجنبي المسموح بها للبنوك، وفرض متطلبات احتياطي على معاملات التحوط الكبيرة، وبدأ توفير الدولار مباشرة من احتياطاته لشركات النفط الحكومية.

وأدت مبيعات الدولار المتواصلة في السوق الفورية إلى استنزاف الاحتياطات، ورفعت تكلفة المراهنة على تراجع الروبية إلى أعلى مستوى لها في 5 سنوات، بينما تعافت العملة بنسبة 2 في المائة من أدنى مستوياتها.

وبدأ البنك المركزي حالياً دفع عوائد السندات المحلية إلى الارتفاع، إذ زادت بمقدار يتراوح بين 45 و60 نقطة أساس منذ بداية سبتمبر (أيلول).

وقالت برانجول بهانداري، كبيرة الاقتصاديين المعنيين بالهند في بنك «إتش إس بي سي»، في مذكرة بتاريخ 14 أكتوبر (تشرين الأول): «يبدو الأمر وكأنه تكرار لإجراءات عام 2013، ولكن بترتيب عكسي؛ إذ تتساءل الأسواق عمّا إذا كانت سلسلة من زيادات أسعار الفائدة ستكون الخطوة التالية».

وخلال آخر أزمة حادة تعرَّضت لها الروبية في عام 2013، رفع البنك المركزي أولاً سعر الاقتراض قصير الأجل، المعروف باسم «تسهيل الإقراض الهامشي (MSF)»، بمقدار 200 نقطة أساس، قبل أن ينتقل إلى اتخاذ تدابير لسحب الدولار من السوق والحد من المضاربات.

لكن المصدر الأول، إن البنك من غير المرجح أن يتبع النهج نفسه في التعامل مع أسعار الفائدة هذه المرة، موضحاً أن البنوك لا تلجأ إلى تسهيل الإقراض الهامشي عندما تكون السيولة وفيرة، وهو ما حدَّ أيضاً من فاعلية هذا الإجراء في عام 2013.

بائع عملات بأحد الشوارع يعدّ الأوراق النقدية في نيودلهي (رويترز)

الاستقرار المالي في مواجهة النمو

وقال مستثمرون إن ارتفاع عوائد السندات الهندية سيعزز جاذبية أدوات الدين المحلية، وقد يسهم في جذب تدفقات استثمارية إلى سوق السندات لتعويض عمليات البيع الأجنبية في أسواق الأسهم.

وقال نوربرت لينغ، رئيس إدارة محافظ الدخل الثابت لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «إنفيسكو»: «إن رفع أسعار الفائدة يدعم مصداقية السياسة النقدية، ويحافظ على جانب من العائد الإضافي الناتج عن فروق أسعار الفائدة، ويقلل الحافز إلى المراهنة على مزيد من تراجع الروبية».

وباع المستثمرون الأجانب صافي أسهم هندية بقيمة نحو 33 مليار دولار خلال عام 2026، كما تحولوا إلى بائعين صافين لأدوات الدين منذ أغسطس (آب)، منهين بذلك سلسلة من عمليات الشراء استمرت 4 أشهر.

غير أن التشديد السريع للسياسة النقدية قد ينطوي أيضاً على مخاطر إبطاء الاقتصاد المحلي والحد من نموه. فعلى الرغم من نمو الاقتصاد الهندي بنسبة 7.8 في المائة خلال الربع الممتد من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، يُتوقع أن يتباطأ النمو في النصف الثاني من السنة المالية.

وقال المصدر الثاني إن نحو 60 في المائة من القروض ترتبط بمؤشرات مرجعية خارجية، من بينها سعر الفائدة الرئيسي، ما يسمح بانتقال أثر قرارات الفائدة إلى تكاليف الاقتراض بسرعة، وقد يلقي بأعباء إضافية على المقترضين الصغار.

وقالت أليسيا بيراردي، رئيسة قسم الاقتصاد الكلي العالمي واستراتيجيات الأسواق الناشئة في معهد «أموندي» للاستثمار: «إن استخدام أسعار الفائدة لاستهداف سعر العملة سيؤدي إلى تشديد الأوضاع النقدية في اقتصاد يواجه بالفعل صدمة في قطاع الطاقة».

وأضافت: «ينبغي أن تظل السياسة النقدية متمحورة حول هدف التضخم، ومن المتوقع أن يعود التضخم إلى النطاق المستهدف في مطلع عام 2027».