إيبولا والإيدز ومسؤولية الغرب

إيبولا والإيدز ومسؤولية الغرب

الأحد - 18 ذو الحجة 1435 هـ - 12 أكتوبر 2014 مـ رقم العدد [13102]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

تفجرت أوروبا في القرن التاسع عشر بما سمي بعصر الثورات، نتيجة الظلم والاستغلال الذي عانت منه الطبقة العاملة. سارع المسؤولون في القرن التالي لإصلاح الأوضاع بما رفع الحيف عن المظلومين فوصل العمال لمستوى الرفاه والضمان الذي يرفلون فيه اليوم. لم تختفِ الثورات فقط بل وحتى الإضرابات غدت أيضا شيئا نادرا.
يظهر أن تطورا مشابها يجتاح العالم الثالث الآن ليمر بما مر به العمال في أوروبا. هناك ضيم شديد عانت منه اليوم الشعوب الأفروآسيوية، وأدى للثورات والحركات التحررية التي وضعت حدا للاستعمار المباشر ونالت كل الدول الآن استقلالها. زال الاستعمار القديم لكنه تحول لما يعرف بالاستعمار الجديد القائم على استغلال ثروات هذه الشعوب وتحويل استقلالها إلى مهزلة ومظلمة.
يتفق الباحثون على أن مرض الإيدز نشأ في العشرينات في أواسط أفريقيا بانتقال الفيروس من القردة للبشر، ثم مرض الإيبولا في السبعينات في غرب القارة، وانتشرا منها للغرب ثم العالم برمته. رأى الباحثون أن سبب ذلك كان حياة المناجم والصناعات وحركة النقل مما جاء به المستعمرون وأدى إلى تمزق الحياة الاجتماعية التقليدية السليمة وتمركز الكثافة السكانية في مناطق محصورة وهجرة الريفيين إلى المدن وانفصال الرجال عن نسائهم وكل ما نتج عن ذلك من دعارة وشذوذ وتكتل القاذورات في الأحياء السكنية في ظل الفقر والحرمان وانعدام الخدمات الصحية والطبية.
يرتبط السبب الرئيسي للفقر بالاستغلال الاقتصادي المتمثل بشروط أسعار السلع. يتسلم الفلاح والعامل أجرا ذليلا مقابل ما ينتجه من قهوة أو شاي أو كاكاو أو قطن أو معادن، ويدفع للغربيين أضعاف ما يقابلها عن المنتجات الصناعية والطبية والكمالية. كما يلقي باحثون آخرون المسؤولية عن انتشار الفوضى والحروب الأهلية على كاهل الغربيين وإدارتهم السالفة للمستعمرات ومناوراتهم ومخططاتهم السياسية الراهنة.
ما عانى منه العمال الغربيون سابقا من ظلم واستغلال وحروب ضارية ينطبق اليوم على ما تعانيه شعوب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. لكن الغربيين أخذوا كذلك يدفعون الثمن عن سوء فعلهم، فتدفُّق المهاجرين واللاجئين من العالم القديم إلى الشواطئ الغربية جزء من هذا الثمن. هناك تكهنات شتى عما سينتج عن هذه التدفقات التي أخذت تأكل في ميزانياتهم المالية وتمزق نسيج حياتهم الاجتماعية والثقافية. أراهم يدفعون ثمن ما جنته أيدي آبائهم وأجدادهم بالأمس القريب.
إننا نعيش في عالم واحد. الأوضاع السيئة في بلد تخلق عنفا دمويا وأمراضا رهيبة، سرعان ما تنتقل كما فعلت الكوليرا والإيبولا والإيدز من ذلك البلد إلى بلدان المتسببين بها. البعوضة والذبابة والفيروس لا تحترم الحدود ولا تحتاج لسمة دخول ودفتر إقامة. لقد وعى الغربيون بالأمس مخاطر استغلال عمالهم وآن لهم اليوم أن يستفيقوا ويتفادوا مخاطر استغلالهم لأبناء الشعوب المظلومة واستهتارهم بمصيرها وأحوالها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة