لم الاهتمام بالإنتاجية؟

لم الاهتمام بالإنتاجية؟

الاثنين - 14 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 11 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14958]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية
تهتم كثير من الدول بمستوى الإنتاجية، والتقارير الدورية لإنتاجيتها لمعرفة التغيرات الحاصلة فيها. والحرص على الإنتاجية في الدول ينبع من كثرة وأهمية العوامل المرتبطة في الإنتاجية، سواء كانت هذه العوامل انعكاساً للإنتاجية، أو مؤثرة فيها. ولعل فهم تعريف الإنتاجية يوضح مدى أهميتها الاقتصادية؛ فكأي معدل، تحسب الإنتاجية بقسمة المخرجات على المدخلات، والمخرجات بالنسبة للدول هي الناتج القومي لها، ويقسم هذا الناتج على عدد الموظفين، أو عدد القوة العاملة، أو حتى عدد ساعات العمل للموظفين في حالات أكثر دقة. كما تستخدم الطريقة ذاتها لمعرفة الرفاه المعيشي للمواطنين وقدرة الدول على النمو. ولذلك فإن الإنتاجية - ومن وجهة رياضية بحتة - هي البسط في هذه المعادلة، الذي كلما زاد، زادت قدرة الدولة على النمو والثراء.

والإنتاجية - سواء على مستوى الدول أو على مستوى الشركات - تعتمد على 3 عوامل، وهي: العوامل البشرية والتقنية والرأسمالية. أما إنتاجية الموظف فهي ناتج من التراكم للمخزونين المعرفي والخبراتي، إضافة إلى الموهبة بلا شك. وبمعرفة هذا الشيء، فلا عجب أن تكون المواهب والخبرات مؤشرات رئيسية في كثير من التصنيفات للتنافسية في الدول. كما يعد التغير التقني أحد أهم العوامل المؤثرة في الإنتاجية، ذلك أن الاختراعات والابتكارات الجديدة تؤثر بشكل فعال في المنتجات والخدمات الجديدة التي تنعكس إيجاباً على الإنتاجية. وثالث هذه العوامل - بعد الموظفين والتقنية - هو الإنتاج الرأسمالي، وهو مدى الفعالية من الاستفادة من رأس المال أو البنية التحتية. وقد تؤثر متغيرات كثيرة على هذه العوامل سواء بشكل إيجابي أو سلبي، فتؤثر جودة التعليم على العامل البشري مثل التأثير الإيجابي لمستوى التعليم في الدول الاسكندنافية. كما يؤثر الاستقرار السياسي أيضاً، مثل تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي منذ إعلانه استمرت الإنتاجية في بريطانيا في الانخفاض حتى الآن. كما يؤثر معدل الأعمار أيضاً، مثلما تعاني اليابان في الوقت الحالي من ارتفاع معدل الأعمار الذي ساعد في انخفاض الإنتاجية كما تشير كثير من الأبحاث.

وقد تفوقت الاقتصاديات المتقدمة في وقت مضى في عاملين، وهما رأس المال البشري والبنية التحتية، ولذلك فإن هذين العاملين كثيرا ما ارتبطا في الدراسات والأبحاث بشكل إيجابي مع تقدم الاقتصاد. ولذلك فإن الإنتاجية في الدول المتقدمة عادة ما تكون أعلى من غيرها، ولذلك لتقدم هذه الدول في عوامل مثل جودة التعليم التي تزيد مهارات الموظفين، وارتفاع جودة الحوكمة التي تزيد حماية الشركات والمستثمرين وتحفظ لهم الاستقرار طويل المدى، كما توفر البنية التحتية التي تساعد الشركات في التركيز على أعمالها. وكثيرا ما كان التركيز في السابق على رأس المال البشري والبنية التحتية، ولذلك فإن وجود اليد العاملة الماهرة كثيرا ما كان سببا في تطور دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا.

أما ما نراه اليوم في العالم، فهو تنافس جديد بين الدول يدور غالبا حول العامل الثالث وهو الاستثمار في التقنية، فهو محاولة للتفوق في العامل الثالث وهو المقدرة التقنية. وبالنظر إلى التقنية من وجهة نظر إنتاجية، يمكن فهم حرص الدول على تقنيات مثل الذكاء الصناعي، وما فيه من قدرة على رفع إنتاجية المصانع والشركات على سبيل المثال. والحديث هنا ليس عن الذكاء الصناعي بصفته منتجاً يباع أو يصدر، بل عن كونه عاملاً مساعداً في تطوير المنتجات والصناعات الحالية وزيادة الإنتاجية دون زيادة في التكاليف التشغيلية. وقياساً على ذلك تلتفت كثير من الدول إلى تطوير هذا العامل الحديث الذي قد يخلق الفارق في اقتصادها عن اقتصادات الدول الأخرى.

إن الإنتاجية لا تعتمد فقط على الموظف كما هو شائع في كثير من الأحيان. فالموظف عامل واحد فقط من عوامل كثيرة. والتنافسية الاقتصادية اليوم بين الدول تعتمد بشكل أساسي على معدل الإنتاجية غير المرتبط بالموظفين فقط، وهو ما تفوقت فيه الصين على الدول الغربية التي - حتى مع ارتفاع معدل إنتاجيتها مقارنة بغيرها - بدأ معدل إنتاجيتها في انخفاض. ولا شك أن وجود تقارير دورية يساعد الدول في معرفة وتحديد النقاط المؤثرة بشكل مباشر في الإنتاجية التي تنعكس إيجابا وسلبا على الرفاه المعيشي. فقد يكون عامل واحد فقط - بحسب الدولة نفسها - سبباً في ارتفاع أو انخفاض الإنتاجية وبالتالي الاقتصاد لهذه الدولة، وفي كثير من الأحيان قد يكون تطوير هذا السبب غير مكلف اقتصادياً، وإنما يحتاج إلى التفاتة من هذه الدولة لتطويره والعمل عليه.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة