بحثا عن غازي القصيبي!

بحثا عن غازي القصيبي!

الجمعة - 9 ذو الحجة 1435 هـ - 03 أكتوبر 2014 مـ رقم العدد [13093]
هاشــم صالــح
كاتب وباحث ومترجم سوري، يهتم بقضايا التجديد الدّيني ونقد الأصولية ويناقش قضايا الحداثة وما بعدها.
دعاني الأستاذ غسان الشهابي مشكورا للمشاركة في الاحتفال الكبير الذي سيقام على شرف الدكتور غازي القصيبي في شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل بالبحرين. وبهذه المناسبة ستصدر وزارة الثقافة ضمن سلسلة كتاب «أطياف» الشهيرة عددا خاصا عن الأديب السعودي الراحل. ومعلوم أنها احتفلت سابقا بعدة شخصيات هامة ليس أقلها جاك دريدا أو محمد أركون أو نجيب محفوظ.. ولذا رحت أبحث عن مؤلفاته في كل مكان لتدبيج دراستي. نزلت إلى الرباط من القنيطرة حيث أقيم حاليا وتوجهت مباشرة إلى مكتبة «دار الأمان» المتخصصة في الكتاب العربي. ووجدت هناك ثلاثة أو أربعة كتب فاشتريتها فورا وعدت بها كالغنيمة إلى البيت لكي أقضي وقتا ممتعا جدا برفقة القصيبي. بصراحة ما كنت أعتقد أنه مهم إلى مثل هذا الحد. كنت أعتقد أنه اشتهر بمناصبه العليا كسفير أو كوزير وتاليا كأديب. فإذا بي أكتشف العكس.. والآن أعتذر أمامكم عن غلطتي وشبهاتي وجهالاتي. ابتدأت بقراءة روايته الشهيرة «شقة الحرية» التي جذبتني وخطفتني وما عدت أستطيع منها فكاكا حتى غلبني النوم عشية اليوم الأول، فتلقفتها من على المخدة صبيحة اليوم التالي. من يريد الاطلاع على خفايا الحياة البحرينية والمصرية والعربية في فترة رومانطيقية حماسية صاعدة من تاريخنا فليقرأ هذه الرواية. قلت «صاعدة» ولكن تلاها سقوط مدو وخيبات مريرات لم نقم منها حتى اللحظة. والدليل على أهميتها أنها طبعت مرارا وتكرارا، وأنا الآن أقرأها في الطبعة الخامسة. إنها تروي قصة أربعة شباب بحرينيين ذهبوا إلى مصر للدراسة أواخر الخمسينات وبداية الستينات أي في عز الحقبة الناصرية. يخيل إليّ أحيانا أن غازي القصيبي كان بحرينيا بقدر ما كان سعوديا وربما أكثر. أم أني مخطئ؟ ولكن ما هم! لقد كان سعوديا وبحرينيا ولكل العرب.
لكن كنت أود التوسع حول نظرياته ومساجلاته. وعندئذ كان لا بد من الاطلاع على كتابه المعروف «لكيلا تكون فتنة». وقد استطعت التوصل إليه عن طريق الإنترنت كاملا. ولكن كتابه الآخر عن «الغزو الثقافي» وبعض مؤلفاته الفكرية والسياسية المتنوعة لم أستطع العثور عليها لا في القنيطرة ولا في الرباط. فكان لا بد من شد الرحال إلى الدار البيضاء حيث توجد مكتبات شارع «الحبوس» الشهيرة الواقعة خلف القصر الملكي. فهناك تتوافر كنوز العرب. وهكذا ركبت القطار من القنيطرة مستمتعا بالمناظر الطبيعية الخلابة على مدار الطريق حتى استبان لي البحر فتنفست الصعداء أكثر وانشرحت أسارير نفسي تماما. وزاد من شدة الانشراح ذلك الجمال الأنثوي الأخاذ المنتشر في كل مكان والمتغطرس أحيانا. أعتقد شخصيا أن غازي القصيبي كان سيسعد بهذه الترهات. أعتقد أنه لن يضيق صدره بهذه الشطحات. وربما ضحك بملء شدقيه. ربما قال: هذا الشخص من جماعتنا، من جماعة مولانا عمر بن أبي ربيعة.. صحيح أنه مجرد ثرثار فارغ على طريقة «أسمع جعجعة ولا أرى طحنا»، ولكنه يفعل ما يستطيع.. هل زدتها شوية على غازي القصيبي؟ هل قولته ما لم يقله؟. ربما. ولكن من يقرأ كتاباته وأشعاره يدرك فورا أنه كان عاشقا من الطراز الأول. لن أطيل عليكم كثيرا هنا، وإنما سأرجئ التعمق في ذلك إلى الدراسة المطولة التي أكتبها عنه بغية الاحتفاء الكبير به في ربوع البحرين قريبا.
ما إن وصلت إلى الدار البيضاء حتى «كبست كبسة» حقيقية على المكتبات العربية الكبرى بحثا عن غازي القصيبي. كان يهمني بالدرجة الأولى التوصل إلى كتابه عن «الغزو الثقافي». أريد أن أعرف رأيه في هذه الإشكالية التي تقسم المثقفين العرب إلى مؤيد ومعارض وما بين بين. وأنا شخصيا من الطرف الثالث، لا راديكالي من جماعة الاستغراب كما يتوهم الكثيرون. ولكن كم كانت خيبتي كبيرة عندما لم أجد شيئا عنه حتى في «المركز الثقافي العربي» أضخم وأجمل مكتبة هناك. فعدت بخفي حنين. ولكن خيرها بغيرها كما يقال. فقد شاءت الصدفة أن أجلس في قطار العودة إلى جانب امرأة غامقة السمرة، فائقة الجمال. ألم أقل لكم إني محظوظ؟ سألتها: من أي منطقة في المغرب أنت؟ قالت: لا، أنا من السنغال. صرخت: يا إلهي من السنغال؟ أجمل بلد في العالم! قالت بلهفة: أتعرفه؟ إطلاقا، ولكن نظرة خاطفة على شخصك الكريم تكفي لإقناع البشرية. انفجرت بضحكة منعشة وابتسامة فتاكة. ثم سرعان ما غيرت رأيها وراحت ترمقني من طرف عينها بالكثير من الارتياب والحذر. لكأنها تقول: هذا الشخص مشبوه حتما. إنه منافق حقيقي وربما من شذاذ الآفاق. انتبهي يا بنت.
بإمكانكم أن تضموا هذا المقطع - بل والمقال كله - إلى رواية القصيبي الناجحة بلا أي مشكلة. فآخر نظريات النقد الأدبي الحديث تقول لنا بأن القارئ يخلق النص من جديد، يغنيه، يعيد تشكيله، يهلوس نحوه، يزيد من استطالاته.. وليس مجرد متلق سلبي له. والواقع أن «شقة الحرية» مليئة بالحديث عن الحب والبنات وكيف اكتشف الطلبة البحرينيون المرأة في القاهرة لأول مرة مثلما اكتشفناها نحن يوما ما في باريس أو بيزانسون..
أخيرا كمكافأة على تعبكم وجهودكم إليكم هذا المقطع:
هُزمت أشعار عنتر
رجعت خيل أبي الطيب
لم تصهل مع النصر المؤزر
وارتمى سيف أبي تمام
وارتاع الغضنفر
وأنا ما زلت أحدو النوق
ما زلت أناجي البيد
ما زلت أنادي ربع ليلى
وأنا قلت لليلى:
سوف أصطاد لك الميراج يا ليلى بخنجر
حلو. شاعر حقيقي، وكاتب فذ لا يشق له غبار..

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة