حروب الصف الواحد كحوادث «مؤسفة» ومنسية

حروب الصف الواحد كحوادث «مؤسفة» ومنسية

الخميس - 4 صفر 1441 هـ - 03 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14919]
على سلّم الاهتمام التاريخي والمنتج لأساطير الجماعة، تقع «حروب الصف الواحد» في مرتبة متأخرة؛ حيث يهال عليها في الغالب تراب التجاهل والنسيان، على الرغم من دورها الحاسم في تحديد مكانة الجماعة بين نظيراتها، وفي انتخاب الزعامة واختيار القادة.
في مثل هذه الأيام، قبل أربعة وثلاثين عاماً، كانت معركة طرابلس الثانية تضع أوزارها، بتسوية قضت بدخول القوات السورية وحلفائها إلى المدينة، وإنهاء الإمارة التي أقامتها «حركة التوحيد الإسلامية» قبل عامين، بمساعدة زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات.
سبقت هذه المعركة واحدة في 1983، اتسمت بتعدد الصراعات: سوري – فلسطيني مباشر، وفلسطيني – فلسطيني (بدفع سوري)، ولبناني – لبناني. بيد أن مضمون هذه الصراعات كان سعي نظام حافظ الأسد إلى إبعاد عرفات عن شمال لبنان الذي عاد إليه «للحصول على حصته»؛ بحسب ما قال في تصريح شهير، واستحواذ الأسد – بالتالي - على الشمال، واستكمال القضاء على المجموعات الإسلامية التي كانت تذكّره بحربه الأهلية التي اختتمها بمجزرة حماة في 1982.
كانت طرابلس تشهد منذ أواخر سبعينات القرن الماضي صدامات عنيفة بين فصائل متنافرة الولاءات، تلبس في أحيان كثيرة لبوس الصراعات الطائفية المحلية، وتتخذ في بعض الأحيان شكل انتفاضات فقراء المدينة على محاولات استتباعهم وإخضاعهم.
في جميع الأحوال، تداخلت في معركتي طرابلس الأولى والثانية، عوامل محلية وإقليمية كثيرة، حتى أصبحت تشكل أبرز الأمثلة على «حروب الصف الواحد». والمقصود في حالة طرابلس هو الصف «الوطني» العروبي المقاوم لإسرائيل، وفق مصطلحات تلك الحقبة.
همّ توحيد الجماعة في معارك طرابلس كان أقل وضوحاً مما أخذه في أماكن أخرى، بسبب الدور المهيمن للعنصر الخارجي السوري. وفي الوقت الذي كانت فيه اشتباكات طرابلس أوائل الثمانينات تحمل أكثر من معنى وهدف، انفجر الصراع المسيحي – المسيحي، تحت شعار صريح هو «توحيد البندقية» الذي قاده بشير الجميل ضد حلفائه السابقين بقيادة كميل شمعون وابنه داني.
وضعت معارك 1979 - 1980 التي كانت ذروتها مجزرة شاطئ الصفرا؛ حيث جرت تصفية ميليشيا «نمور الأحرار»، الموارنة والمسيحيين عموماً في ظل قيادة بشير الجميل الذي اعتبر عمليته تلك مقدمة لتوحيد لبنان تحت ظله، وهو ما انتهى نهاية مأساوية.
توحيد البندقية المسيحية رفع مجدداً في «حرب الإلغاء» التي شنها قائد الجيش ميشال عون على «القوات اللبنانية» عندما ظن عون أن الأخيرة باتت تميل إلى اتفاق الطائف الذي ينهي رئاسة عون لحكومته العسكرية.
على هامش حروب الصف الواحد، شهدت الثمانينات حروب أزقة بين فارضي «الخوات» وصغار قادة الميليشيات، ناهيك عن تبادل الرسائل الدموية بين ممولي الفصائل المسلحة المختلفة. كما شهدت حروباً منفصلة كان عنوانها مدّ سيطرة النظام السوري على مجمل رقعة «المناطق الوطنية»، على غرار ما جرى في حروب المخيمات، وفي اشتباكات بيروت 1987 التي مهدت لعودة الجيش السوري إلى الشطر الغربي من العاصمة بعد خمس سنوات من خروجه مهزوماً أثناء الاجتياح الإسرائيلي.
كان سعي حافظ الأسد إلى السيادة على المناطق اللبنانية ذات الأكثرية المسلمة عنصراً أساسياً في استراتيجيته اللبنانية. فمن هنا يستطيع حصر أوراق المفاوضات مع المسيحيين والغرب حول مستقبل لبنان بيده، ومن هنا أيضاً يستولي على زمام الصراع مع إسرائيل تمهيداً للتسوية المرتجاة.
على هذه الخلفية، جاءت حروب المخيمات، والعودة إلى بيروت، وإقصاء القوى اليسارية عن المشاركة في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
جدير بالذكر أن حرب المخيمات أدت دوراً مشابهاً، إذ ساهمت مساهمة كبيرة في فرز القوى الفلسطينية بين مؤيد «للقرار الوطني المستقل» وبين منضوٍ تحت لواء معركة التحرير، التي يعد حافظ الأسد لها توازنها الاستراتيجي المنتظر.
واحدة من الجولات المنسية في حروب الصف الواحد، وقد تكون أكثرها أهمية، هي تلك الحرب التي وقعت بين حركة «أمل» وبين «حزب الله» بين 1988 و1990. هدف هذه الحروب كان السيطرة على الطائفة الشيعية، بعد تطويع النفوذ اليساري الكبير والسابق فيها. وليس صدفة أن تندلع معارك «أمل» و«حزب الله» بعد شهور قليلة على موجة الاغتيالات التي استهدفت شخصيات يسارية بارزة، كانت بمثابة نخبة شيعية بديلة عن تلك التي تشكل قيادة التنظيمين المذكورين.
وعلى غرار بقية الحروب الصغيرة، كان للاقتتال الشيعي – الشيعي بعد خارجي؛ حيث برز التناقض بين الحليفين المفترضين، السوري والإيراني، فيمن يحق له احتكار النفوذ بين شيعة لبنان. كان تضارب المصالح هنا يشير إلى اختلاف رؤى النظامين السوري والإيراني للكيفية التي تتعين مقاومة إسرائيل بها، وحدود هذه المقاومة ووظيفتها، فيما يتجاوز لبنان وأرضه المحتلة. ولم يجد هذا التناقض حلاً له إلا في تقاسم عمل ما زال معمولاً به حتى اليوم بين الحركة والحزب، مع احترام دقيق للتسوية التي وضعها وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي، في 1990 مع حافظ الأسد في دمشق.
على هذه الحروب ضُرب طوق من النسيان والتجاهل من كل المشاركين فيها، وقُدمت كحوادث «مؤسفة» يستحسن عدم الخوض في تفاصيلها، على الرغم من أنها قد لا تقل خطراً في تشكيل حاضر لبنان السياسي والاجتماعي عن حروب أكبر وأعرض، وقابلة أكثر للتبرير والتسويق بين الأتباع والمريدين والضحايا.
هذا، على الأقل، حال الحروب اللبنانية بأوجهها الكثيرة، والتي ستستمر إلى أن يستقر اللبنانيون على صيغة حكم تطمئن الخائفين، وتنصف المغبونين، وتتجاوز هؤلاء جميعاً نحو معنى جديد لاجتماع أهل هذه الرقعة الضيقة من الأرض، المكتظة بالبشر والتاريخ والدم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة