قمم التنمية تصارع الزمن وندرة الهمم وعجز الثقة

قمم التنمية تصارع الزمن وندرة الهمم وعجز الثقة

الأربعاء - 26 محرم 1441 هـ - 25 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14911]
د. محمود محيي الدين
النائب الأول لرئيس البنك الدولي

تشهد قاعات وأروقة الأمم المتحدة هذه الأيام حشوداً يتصدرها قادة الدول الأعضاء في تجمع سنوي لجمعيتهم العامة، يتواكب معها انعقاد خمس قمم للتنمية المستدامة، وتمويلها، والرعاية الصحية الشاملة، والجزر الصغيرة، وتغيرات المناخ. وكأنما ضاق المنظمون ذرعاً بأحداث العام الحالي فتجدهم وقد استعجلوا نهايته مستدعين عام 2020 قبل بدايته، كعام للشروع في تنفيذ التزامات جديدة للتعجيل بتحقيق أهداف التنمية المستدامة ووضعها على مسار التنفيذ بعد سنوات من الانحراف عنه منذ تدشينها في عام 2015 في قمة خاصة انعقدت في نيويورك.
والتساؤل مشروع حول ما يمكن أن يحمله العام المقبل من تغيرات إيجابية مساندة للإصلاح والتطوير والتقدم بما يحقق النفع لعموم الناس. فكما تعكس أوراق القمم الخمس، لم يكن الأداء العام لبرامج التنمية المستدامة، بما في ذلك التصدي لتغيرات المناخ، على قدر الطموحات المعلنة والتعهدات الملزمة.
من الصعب تحقيق تعهدات بالقضاء على الفقر المدقع والنمو الاقتصادي العالمي مستمر في فقدانه قوة دفع اكتسبها بإجراءات التيسير النقدي والمالي بعد الأزمة المالية وتعوقه نزاعات تجارية صاحبها فقدان في الثقة بين الشركاء الاقتصاديين، وتسببت في استمرار تراجع التجارة الدولية بمقدار نقطة مئوية في يونيو (حزيران) الماضي، كما تراجع النمو الصناعي العالمي بمقدار نصف نقطة مئوية في الشهر ذاته، وهو التراجع الأكبر منذ الأزمة المالية العالمية. وتعاني من تراجع النمو الدول الأفقر، وسط توقعات بأن يقل معدل نمو متوسطات الدخول في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء لأقل من 1 في المائة سنوياً حتى عام 2021 بما يعلي من مخاطر تزايد الفقر المدقع. وتزيد من سلبيات تراجع معدلات النمو العربية تأثرها بانخفاض معدلات النمو في أوروبا والصين والولايات المتحدة بما يخفض الطلب على منتجاتها، ومن ثم يرفع من احتمالات زيادة معدلات البطالة والدخول.
كما تراكمت الديون العامة بما في ذلك القروض الخارجية بما يجعل الدول المستدينة عرضة لمخاطر تقلبات أسعار الفائدة والتغيرات المفاجئة في أسعار صرف العملات. وتلقي التغيرات السلبية في الاقتصاد أعباءها على أسواق المال والاستثمار؛ فتجد التدفقات المالية إلى الدول النامية وكثيراً من الأسواق من الأسواق الناشئة بين تقلب وتراجع، ومد وجزر سريعين للأموال الساخنة والهائمة، فتربك السياسات النقدية وتزيد من ظروف الغموض والشك حول توجهات أسعار الفائدة والصرف، وتأثيرات ذلك كله على إدارة الديون وتمويل برامج النمو والتنمية.
تستوجب هذه التغيرات أن تتخذ الإدارة الاقتصادية التدابير اللازمة للتوقي من مخاطر الصدمات قصيرة الأجل، وبخاصة في الدول ذات صافي أصول أجنبية منخفض، وتحسب ببساطة بخصم الديون الخارجية من رصيد الاحتياطي من النقد الأجنبي.
ومع زيادة أعباء الموازنات العامة وكبر حجم فجوة تمويل التنمية تجب مراجعة برامج الإنفاق العام بما يحقق الكفاءة ودفع النمو الشامل للكافة. فقد قدر صندوق النقد الدولي أن الدول النامية متوسطة الدخل في حاجة إلى زيادة النفقات العامة بمقدار 4 في المائة، أما الدول منخفضة الدخل فعليها أن تزيد إنفاقها بمقدار 15 في المائة حتى تحقق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالتعليم والصحة والطاقة ومشروعات البنية التحتية الرئيسية. ومن البدهي أن تراجع بنود الإنفاق العام السارية للتحقق من أولوياتها وفاعليتها قبل النظر في نفقات جديدة، وبخاصة في الدول التي تعاني من عجز كبير في الموازنة العامة.
ولعل الدول العربية، وهي تسابق الزمن لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وفقاً لتعهدات أبرمتها في قمم الأمم المتحدة، أن تجعل أولويتها القضاء على الفقر المدقع، وهو الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة وبرامجها حتى عام 2030؛ فقد زادت نسبة من يعانون من الفقر المدقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تضم البلدان العربية من 2.6 في المائة في عام 2013 إلى 5.0 في المائة في عام 2015، كما زادت أعداد المواطنين الذين يعانون من حدة الفقر من 9.5 مليون مواطن إلى 18.6 مليون مواطن خلال الفترة ذاتها.
وتبرز في أولويات الإنفاق لمكافحة الفقر وتحقيق التنمية ثلاثة مجالات، أولها الاستثمار في رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب والرعاية الصحية وتطوير نظم الضمان الاجتماعي. والثاني في رأس المال المادي والبنية الأساسية والتكنولوجية المتطورة الدافعة للنمو، وبخاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي وشبكاته ومنصاته الإلكترونية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. والثالث استثمار في قدرة المجتمع والاقتصاد على التصدي لتبعات تغيرات المناخ والتقلبات الشديدة في الطقس والكوارث الطبيعية وتأثيراتها، سواء على المدن أو السواحل أو قطاعات الزراعة وإنتاج الغذاء.
ولن تحدث هذه الاستثمارات في غياب من سياسات عامة منضبطة جيدة التصميم والتنسيق بين مكوناتها. كما يجدر بالقائمين عليها بالتواصل المستمر والواضح بشأنها مع عموم الناس والفاعلين الاقتصاديين من منتجين ومستثمرين وتجار؛ فقد أوضحت التجارب، وبخاصة تلك المرتبطة بإدارة الأزمات أن التواصل والإعلام إحدى أدوات السياسة الاقتصادية الناجعة.
وقد وجدنا في دول عدة أن همة القائمين عليها بحسن إدارتهم، قد انتشلت شعوبهم من فخاخ الفقر والتخلف والصراعات إلى رحاب النمو والتقدم. ولننظر إلى الثلاثي الوثاب في تصنيفات الأمم سنغافورة وكوريا واليابان؛ إذ تجد هذه الدول الثلاث في مقدمة الترتيب لمقارنات رأس المال البشري والتنافسية وممارسة الأعمال رغم ندرة الموارد الطبيعية. وقد وجدنا في دول أخرى تقدم السلطات المحلية وتجمعات المرأة والشباب، بل والأطفال لتجسير فجوات كان الأولى بالحكومات المركزية القيام بها على النحو الذي رأيناه في جهود التصدي لتغيرات المناخ.
إن قمماً تُعقد لن تحل بذاتها مشكلات التنمية ولن تعالج تحدياتها، وإلا لنجحت في ذلك قمم سبقتها لم تسفر بعد انفضاض الجمع عن أمر يُذكر. العبرة دائماً بالتنفيذ وفقاً لسياسات واضحة تتابع بعناية وتوفر لها الموارد والمعلومات لتفعيلها بكفاءة. وإنما تأتي اجتماعات القمة وغيرها لتوضيح التوجه وإدراج التعهدات ومراجعة الالتزامات واستعراض النتائج، ومن دون الفعل تزداد الفجوات وتتزعزع الثقة وتفقد الكلمات معناها.


* النائب الأول لرئيس البنك الدولي
* الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي البنك الدولي


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة