يستثمرون الموت

يستثمرون الموت

الأحد - 17 ذو الحجة 1440 هـ - 18 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [14873]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
لكي يحصل المتوفى على قبر في فرنسا لا بد من رخصة للدفن. وهو إجراء طبيعي مفهوم ومتبّع في العالم أجمع. لكن من غير المفهوم أن بلدية باريس تقف عاجزة عن منح هذه الرخصة للمئات ممن يطلبونها. وفي العام الماضي أصدرت أقل من 200 رخصة مقابل أكثر من 5 آلاف طلب. وبحسب التعليمات فإن من حق أي فرنسي أن يدفن في المدينة التي أقام فيها. غير أن الباريسي هو المواطن الوحيد الذي لم يعد يحلم برفاهية الرقاد في تربة مدينته. سيهاجر جثمانه إلى الضواحي البعيدة.
قبل فترة، تناقلت وسائل الإعلام قضية الكاتب والمسرحي العجوز ميشيل ديون، عضو الأكاديمية الفرنسية وحامل وسام الشرف من رتبة قائد. لقد «وافته المنيّة»، كما يقول المتأدبون، في آيرلندا دون أن «يوارى الثرى» هناك. أرادت ابنته أن تدفنه، حسب وصيته، في مقبرة مونبارناس، وسط باريس. لكن قانوناً جديداً يمنع الدفن في العاصمة لمن لم يكن مقيماً فيها عند الوفاة. ثم من أين لها بالرخصة والمقبرة مكتظة بسكانها ولا مجال فيها لنزيل جديد؟ إن القبور تؤجر لمدة محددة، عشر سنوات أو عشرين سنة. وهي ليست ملكاً أبدياً لأصحابها. وإذا تخلّف أبناء الراحل عن تجديد عقد الإيجار تتم تسوية القبر وتجديده لكي يستقبل راحلاً آخر. وهكذا فإن جثمان ميشيل ديون بقي على لائحة الانتظار لعدة أيام حتى تدخلت عمدة باريس ودبّرت له قبراً. ومن المفارقات أن أعضاء الأكاديمية الفرنسية يُلقبون بـ«الخالدين».
مع حلول الخريف يحتفل الفرنسيون بعيد الأموات. يذهبون لزيارة قبور أهاليهم ويحملون معهم أزهار الداؤودي، يسمونها الكريسونتيم. تقليد يشبه ما قامت به العائلات العربية التي زارت قبور أحبابها في عيد الأضحى. وها هو تقرير رسمي يتناول «مشكلة» تزايد نسبة المعمرين من السكان. وهي في الحقيقة معضلة فرنسية. ويشتكي الشباب من أنهم يعملون ويدفعون الضرائب الباهظة لكي يسددوا مرتبات التقاعد لجيش من المسنين ونفقات رعايته وعلاجه. وكانت الحربان العالميتان الأولى والثانية قد قطفت أرواح الملايين وهم في زهرة العمر. لم يأخذوا الوقت ليشيخوا. وبعد هدوء المدافع وتطور العلاجات والخدمات الطبية راح الرجال والنساء يعيشون حتى يبلغوا الثمانين والتسعين. وتشير الأرقام الرسمية إلى وجود 22 ألف مواطن تجاوزوا سن المائة.
كل نفس ذائقة الموت. ويبدو أن موسمه قد حلّ بدليل عجز المقابر عن الاستيعاب. وفي باريس وحدها 14 مقبرة كبرى. وكثيراً ما يجري دفن أفراد الأسرة الواحدة عمودياً للاقتصاد في المساحة وفي النفقات. أي صندوقاً فوق صندوق. وكان الباريسيون يشترون قبورهم قبل حلول آجالهم. لكن تعليمات صدرت قبل سنوات منعت الحجز المسبق للقبور.
كل الكلام الوارد أعلاه هو ذريعة للآتي: كشف رئيس هيئة استثمار محافظة النجف عن مشروع لإنشاء مقبرة نموذجية، بناء على طلب تقدمت به الشركة الفلانية. وقال إنه مشروع حضاري سيعود بمنفعة اجتماعية واقتصادية وحضارية للعراق. وكنا من قبل نسمع عن مدارس نموذجية، وعن مستشفيات استثمارية، أما المقابر...؟ هناك في النجف «وادي السلام»، أكبر مقبرة في العالم. تضم 6 ملايين قبر. وقد أدرجتها اليونيسكو على لائحة التراث الإنساني. هل تتحول إلى متحف؟ بحثت في معجم لسان العرب عن معنى الاستثمار، في باب ثَمَرَ. تأكدت من أنه فعل ثلاثي يتعلق بالزراعة والشجر وما يطرحه النبات من فواكه. وأعرف أن للاشتقاق مفهوماً مجازياً. لكن خيالي ذهب إلى عظام تنبت في التربة وتخضوضر وتمدّ فروعها وتملأ جيوباً لا تشبع.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة