مونيكا لوينسكي... كلاكيت ثاني مرة

مونيكا لوينسكي... كلاكيت ثاني مرة

الخميس - 13 ذو الحجة 1440 هـ - 15 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [14870]
مو...ني...كا؛ اسم علم مؤنث، أعجمي، حلو النبرة لدى انبثاقه من بين الشفتين، وسلس النغم والوقع على الأذنين، وسهل التسلل إلى حنايا القلب... لكن لو ألحقنا بالاسم الجميل «مونيكا» لقب «لوينسكي» الإشكالي، لتغيّرت الحال، وارتبكت المشاعر مباشرة، واضطربت. ولكنّا؛ شئنا أم أبينا، التفتنا سريعاً بذاكرتنا للخلف، في محاولة لعبور الزمن، كي نعيد الإمساك بتفاصيل واقعة محددة، مرّ عليها أكثر من 20 عاماً، على أمل أن نستعيد ملامح امرأة، فاتنة، كانت واحدة من شخصيتين ارتبطت بهما تلك الواقعة وما أثارته، وقتذاك، من عواصف في الساحة السياسية الأميركية، وضجيج في الساحة الإعلامية دولياً.
الناس في أميركا وخارجها الذين عاصروا الواقعة وتابعوها، انقسموا فريقين؛ متعاطفاً، ومندداً. الأول يرى أن السيدة لوينسكي ضحية رجل امتلك سلطة وجبروتاً، والثاني يراها شريكة في جريمة للإيقاع برئيس أكبر دولة في العالم، وسقوطه ملوثاً بآثام الخيانة الزوجية. وما زال ذلك الانقسام حتى اليوم ساري المفعول، بين مختلف طبقات الناس، وما زالت مونيكا لوينسكي قادرة، رغم تباعد السنين، على شدّ انتباه وسائل الإعلام، وإثارة كثير من الأسئلة.
مونيكا لوينسكي، التي كانت تعمل بالبيت الأبيض، في منتصف التسعينات من القرن الماضي، وحملت صورها إلينا وسائل الإعلام عقب انكشاف علاقتها بالرئيس الأسبق بيل كلينتون، زوج السيدة هيلاري وزيرة الخارجية في إدارة الرئيس أوباما السابقة والمرشحة للرئاسة الأميركية عام 2017 عن الحزب الديمقراطي، وتحصلت على أصوات ناخبين تفوق في عددها ما تحصل عليه المرشح المنافس دونالد ترمب... ما زالت، رغم مقاربتها الخمسين من العمر، تتمتع بالجمال؛ وإن تلاشت الفتنة، وها هي تعود، مجدداً، ومؤخراً، لتستقطب اهتمام وسائل الإعلام في العالم، ولتعيد، كما أوضحت مؤكدة، سرد قصتها، بنفسها، ومن دون تدخل من أحد، لكي يعرف الناس، أينما كانوا، تفاصيل تلك الواقعة، وما ظل مخبأً من أسرارها وخفاياها في العلاقة التي جمعتها بالسيد كلينتون.
تقول التقارير إن السيدة لوينسكي وافقت على عرض قدمه مخرج أميركي اسمه رايان ميرفي، على إنتاج مسلسل درامي بروايتها، يعيد الخوض في تفاصيل تلك الواقعة. المخرج ميرفي معروف من خلال مسلسل درامي تلفزيوني أميركي مختص في الجريمة اسمه «قصة جريمة أميركية»، يتعرض في كل مرة لجريمة حدثت في أميركا، بعرضها درامياً، مثل قصة لاعب الكرة الأميركية السابق أو. جي. سمبسون الذي اتهم بقتل زوجته. المسلسل الدرامي الذي ستتولى السيدة لوينسكي إنتاجه سيحمل اسم «Impeachment (الاتهام)»، وسيكون جاهزاً للعرض في شهر سبتمبر (أيلول) 2020؛ أي قبل 4 أسابيع من انعقاد انتخابات الرئاسة الأميركية، وهو توقيت، لدى البعض، ليس بريئاً؛ سياسياً. لكن ما يهم هو أن السيدة لوينسكي وافقت على عرض المخرج ميرفي الذي استطاع إقناعها دون صعوبة، وبعينين على ما سيجنيه من ورائها من شهرة وأموال.
وأن تختار السيدة لوينسكي خوض هذه التجربة لتروي، كما قالت، قصتها، وليعرف الناس الحقيقة، فهذا شأنها، واختيارها، لكن ذلك لا يعني، حقيقة، أن ما تداولته وسائل الإعلام وقتذاك من تقارير وروايات فاقد للمصداقية، أو شهادات مجروحة بسبب مواقف أصحابها (مع أو ضد) من القضية. أضف إلى ذلك، أن السيدة لوينسكي سبق لها أن أجرت كثيراً من المقابلات في وسائل الإعلام، وأتيح لها من خلالها تسليط كثير من الأضواء على ما حدث.
الناس ستطلع على الحقيقة، كما زعمت، لأن السيدة لوينسكي واحدة من أطراف عدة في تلك الواقعة - الفضيحة، وما ستقوله يظل جانباً واحداً منها، ليس قائماً أو مستنداً إلى أدلة معروفة، بل سيكون مزيجاً بين ما ظهر من أدلة قانونية تداولتها المحكمة ووثقتها وسائل الإعلام، وبين ما ظل مقيماً في خلايا ذاكرتها من أشياء وتفاصيل تفتقد صفة الأدلة وقوتها، وإن كان لا يمكن إطلاق صفة الكذب عليها.
الذاكرة الإنسانية معقدة، وعرضة لعوامل الزمن، والمرض، والظروف المختلفة، وكلما ابتعدت المسافة الزمنية بها عن فترة الواقعة محط الاهتمام، تقلصت قدرتها على الإحاطة بالتفاصيل. تلك التفاصيل، تحديداً، تخص السيدة لوينسكي والسيد بيل كلينتون، وبالتالي، فإن المسلسل المقبل سيفتقد مصداقيته، لأنه أحادي المصدر، وعليه، فلن يكون تاريخاً، ولا حقائق موثقة؛ بل قصة، ومن طبيعة القصص، حتى الواقعية منها، أنها تفتح الأبواب أمام المخيال الإنساني للحضور والوجود، وإضفاء ما يلزم من «بهارات» تساعد في التشويق، وفي التسويق.
الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترمب، والحزب الجمهوري، على ما أعتقد، سيحتفيان جداً بمسلسل السيدة لوينسكي، لأنه سيعرض في وقت على مرمى حصاة من الانتخابات الرئاسية، وبلا شك، سيكون عاملاً مساعداً في مراكمة الضغوط على منافسيهم في الحزب الديمقراطي، بإعادة إحياء فضيحة كان بطلها رئيساً ديمقراطياً سابقاً!
سؤال أخير: بعد الانتهاء من المسلسل وعرضه، هل ستكتشف السيدة لوينسكي مواهبها في الإنتاج التلفزيوني وتواصل الخوض في تلك الطريق مستقبلاً أم أنها، كما أتوقع، ستعود للانكماش والتقوقع في صدفتها ليمضغها على مهل الزمن، ويبتلعها سريعاً النسيان؟

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة