تصدع في جدار الهيمنة الإيرانية؟

تصدع في جدار الهيمنة الإيرانية؟

الأحد - 6 شوال 1440 هـ - 09 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14803]
حنا صالح
كاتب لبناني
باتت التحولات في الوضع السوري مدهشة، صراع «الحلفاء» لم يعد خافياً على أحد، الصدامات تتلاحق وطموحات القوتين الإقليميتين إيران وتركيا شبه معلقة. تراجعت الحاجة الروسية للميليشيات الإيرانية، والإمساك بالأرض يرسمه الجنرالات الروس الممسكون بوزارة الدفاع والأركان العامة والمخابرات. والدور الذي تطمح إليه أنقرة في شمال سوريا لا تستطيع موسكو تقبله، لذا تقدم بوتين باقتراح تفعيل اتفاقية أضنة، التي يُحتِّم تطبيقها تواصلاً مباشراً بين أنقرة ودمشق، فيما إردوغان مصرٌ على إمساك العصا من الوسط!
في هذه الأثناء يتجول الجنود الروس، دوريات في سيارات مصفحة، أو سياحة على الأقدام في أسواق دمشق، تماماً كما هو الوضع في مناطق الساحل السوري حيث القواعد العسكرية الروسية. وجودٌ تحوّل أمراً اعتيادياً لا يثير ردود فعل أو استياء، سواء في الحميدية والصالحية وكفر سوسة والمالكي، كما في باب شرقي والديماس، وصولاً إلى قرى الأسد وسواها... ويتم تنظيم هذا الوجود، وكأن الإقامة ستطول، مع تحول أغنى مناطق العاصمة السورية، مثل محيط حديقة الجاحظ، إلى أمكنة سكن الضباط الروس والمستشارين. بالمقابل أزيلت صور خامنئي ونصر الله وسليماني، وانحسر وجود الميليشيات، وتقلص الحضور العسكري لـ«الحرس الثوري» و«المستشارين»، لأنه وفق القيادة الروسية لا مبرر لوجودهم ضمن الأحياء السكنية، حتى السياحة الدينية الشيعية والزيارة، إن كان لمقام «السيدة رقية» في دمشق القديمة، أو لمقام «السيدة زينب»، بات يخضع لقيود وشروط، ما أدى إلى غياب شبه كامل لبعض مظاهر التشييع واللطميات عن شوارع دمشق.
وتفتح موسكو المعركة في شمال غربي سوريا في أرياف اللاذقية وحماة وحلب، وجنوب غربي إدلب، وأبعادها الروسية متعددة، تبدأ بضرورة توفير الحماية لقاعدة حميميم، ولا تنتهي بفتح طرق اللاذقية – حلب، وحلب – حماة. الحديث الروسي يطول عن مسؤولية أنقرة في عدم تنفيذ اتفاق سوتشي، الذي يلجم الفصائل المتطرفة، ويسحب السلاح الثقيل، ويقيم المنطقة الآمنة، ويعيد ترتيب المنطقة والنفوذ. وتذهب أنقرة بعيداً في خطوات تسليح الميليشيات لإفشال الروس. في المقابل تستبعد موسكو الميليشيات الإيرانية التي دأبت على التحريض على بدء معركة إدلب، ويتوج الاستبعاد منع هذه الميليشيات من التقدم نحو تل رفعت، حيث أنجز الروس توافقاً أمنياً مع «قسد» بوجه الأتراك والإيرانيين على حدٍ سواء.
وسط هذه الصورة؛ حيث يبدو أن مسار آستانة انتهى عملياً، وما من جهة فاعلة مستعجلة على العودة إلى مسار جنيف، وعلى وقع الاستهداف الإسرائيلي المتكرر لمواقع «فيلق القدس»، وآخرها تكرار ضرب مطار «تي 4» قرب تدمر، الذي بات القاعدة الرئيسة لهذه الميليشيات، وعدم سماح الجانب الروسي بتفعيل تشغيل صواريخ «S300»، انشغل العالم بما تمّ الكشف عنه، وهو الإعداد للقاء ثلاثي هذا الشهر في القدس المحتلة، يضم مسؤولي الأمن القومي في أميركا وروسيا وإسرائيل، جون بولتون، ونيكولاي باتروشاف، ومئير بن شبات. لقاء يعيد إلى الأذهان ما كان نتنياهو قد أعلنه منذ أشهر، إثر محادثاته مع الرئيس بوتين، من أنه اقترح تشكيل مجموعة مشتركة للعمل كفريق على انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا.
الخبراء الروس والصحف المقربة من الكرملين ذكرت أن موسكو معنية باقتراحات جدية يجري تداولها بشأن المسألة السورية، قد تفضي إلى توافقات أميركية روسية، تضع الأزمة السورية على طريق التسوية، ما يأخذ بعين الاعتبار المصالح الروسية بعدما وصلت الجهود المبذولة عبر محور آستانة ومن خلال مسار سوتشي إلى الحائط المسدود.
وفجأة بدأت العودة إلى تفاهمات قمة هلسنكي بين الرئيسين بوتين وترمب، وأكثر منها إلى الصيغ التي ناقشها جون بولتون مع الرئيس بوتين في أغسطس (آب) الماضي، أي قبل 10 أشهر. وبدا أنه لدى الأميركيين خريطة طريق تربط بين تقديم أميركا وحلفائها مجموعة حوافز إلى موسكو (ومن خلالها إلى دمشق) كإطلاق عجلة إعادة الإعمار، ورفع العقوبات وتحريك العملية السياسية استناداً إلى القرار الأممي 2254... مع التمسك الأميركي بأن لا دور للأسد، على أن تقابل ذلك خطوات ملموسة تتعلق بالوجود الإيراني في سوريا والهيمنة التي تمارسها، وبعبارة أخرى مناقشة وإقرار رؤية متماسكة للأميركيين عن كيفية التخلص من مصدر الاضطرابات الأساسي في الشرق الأوسط، الذي يجسده النظام الإيراني.
شاقٌ وصعب ومكلف التنسيق الأميركي - الروسي، خصوصاً بضوء التحقيقات الشائكة التي تناولت ما قيل عن تدخل روسي في العملية الانتخابية الأميركية. لكن طي مرحلة أساسية من التحقيق، واستقالة المحقق مولر، وبدء المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران التي حرمت الخزينة الإيرانية من الجزء الأكبر من وارداتها المالية، والتطورات التي نجمت عن رعونة طهران بتجاوز الخطوط الحمر بتهديد الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي، وحالة الجهوزية الأميركية للردع، وانعقاد قمم مكة التي تعاملت مع إيران بوصفها دولة مارقة راعية للإرهاب... وجدت واشنطن نفسها أمام استحقاق التنسيق مع روسيا في المواجهة المفتوحة مع النظام الإيراني وأتباعه، والثمن تكريس الدور الروسي في المستقبل السوري.
لا شك أن واشنطن استفادت من واقع تأزم العلاقة بين موسكو وطهران، وكذلك مع تركيا، ومن واقع أن الجهة التي تملك كثيراً من أوراق الأزمة السورية تفتقر للأهم، ألا وهو إمكانية التقدم في مسألة التسوية، وفي الوقت عينه كان الأداء الروسي يقدم الإشارات عن الاستعداد للتعامل مع المخاوف الأميركية – الإسرائيلية بشأن الدور الإيراني... لذا بدت الطريق معبدة للمشاركة الروسية العلنية في الاجتماع الثلاثي في القدس، والتي تعني تحولاً نوعياً طرأ على السياسة الروسية. عند هذا الحد ستجد طهران، التي تستدرج الوساطات لشراء الوقت بضعة أشهر، وتراهن على أدوار نشطة لليابان بعد ألمانيا وسويسرا، أن أبرز أوراقها (أي دورها في سوريا) قيد الاحتراق حتى قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات حيث تنتظرها أجندة أميركية، أبرز أولوياتها تغيير سلوكها... وينتظرها عالم أدار لها ظهره، لأن أولويته حماية مصالحه، فماذا يمكن أن تفعل؟

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة