تلفزيون داخل التلفزيون

تلفزيون داخل التلفزيون

الخميس - 6 شعبان 1440 هـ - 11 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14744]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
من مدعاة الكرب أن يرى اللبنانيون، بأم العين الانفجار العائلي العلني بين أصحاب محطة «إم تي في». فلهذه الشاشة تاريخها، ولمكانة الأب في العائلة حرمته، وللأبناء حدودهم، بصرف النظر عن طبيعة الخلاف وتفاصيله. لا يعني الناس كثيراً البحث عمن تجنّى ومن ظُلم بقدر ما يرون في وصول النزاعات على السلطة والمال في مؤسسة إعلامية عائلية إلى حدود القذف والتشهير، ما يقلقهم ويحزنهم. ها هم يشاهدون شيئاً مما تقدمه الشاشات في مسلسلاتها حول التفكك الأسري وصراع النفوذ، يعانيه أصحابها أنفسهم، وكأنما تلفزيوناتهم انعكاس لأحوالهم الخاصة. إنه موسم التلفزيون داخل التلفزيون على غرار «المسرح داخل المسرح». وفي كل الأحوال، فالمشكلة ليست في أن «إم تي في» تعيش صراعاتها الداخلية، التي تبدو عائلية وحسب، بل إن هذا يأتي بعد سنوات من محاكم ودعاوى حول ملكية تلفزيون لبناني آخر له تاريخ أطول وأعرق. فالخلافات حول «إل بي سي» حادة بين رئيس مجلس إدارتها الحالي بيار الضاهر و«القوات اللبنانية» التي أسستها عام 1985 خلال الحرب اللبنانية. الأمر يتزامن مع إغلاق صحيفة «المستقبل» وتسريح جميع العاملين فيها، والأزمات المالية الكبرى التي يمر بها تلفزيون المستقبل أيضاً، والمخاوف المشروعة من أن يرى مصير الصحيفة عينه بسبب الضائقة المالية. ومع التقدير لدور الشاشات اللبنانية الأخرى، إلا أن هذه المحطات الثلاث صنعت المجد الذهبي الإعلامي اللبناني في التسعينات من القرن الماضي، لكنها لم تعد في أحسن أحوالها.
تبدلت الظروف، ففي ذلك الوقت وبعد اتفاق الطائف تقاسمت الطوائف الشاشات، وأغلق ما لم يرخص له من تلفزيونات، كانت تبث في فترة الحرب وبعضها لم يكن رديئاً. فرضت على اللبنانيين قسمة لا صلة لها بالرؤية الوطنية ولا المهارات المهنية، بقدر ما أخذ في الاعتبار توزيع السلطة والنفوذ، وتأمين منابر لأولي الأمر، يخاطبون من خلالها جماهيرهم. وهو ما تحول في مرحلة لاحقة إلى أدوات حرب وتجييش واستنفار مذهبي، ولعب على العصبيات. عدا أنها جميعها نمت وتغذت، على حساب التلفزيون الوطني الذي حوله أصحاب السلطة إلى فولكلور يستحق التندر، بدل أن يكون الجامع، مع أنه الأقدم والأعرق، ليس في لبنان فقط بل في المنطقة كلها. شيء يشبه تقاسمهم رخص الجامعات الخاصة، ومن ثم تهميش «الجامعة اللبنانية» الوطنية شبه المجانية التي وحدها يمكنها أن تحتضن أبناء الوطن دون تمييز، خاصة في أوضاع اقتصادية مزرية كالتي نعيش.
صحيح أن أزمة «إم تي في»، عائلية صرف، لكنها تنكأ جرحاً موجعاً. فهذه المؤسسات الخاصة التي منحت رخصاً، لعملها انعكاساته الكبرى على الناس، ونجاحها واجهة للبلد وفرص عمل بالمئات، كما أن انهيارها كارثي، واهتزازها، أو النزاع حولها كما يجري الآن تسبب بتسريح تعسفي، واستغناء عن خدمات، وتصفية حسابات تحمل وزره أفواج من الموظفين، مع كل موجة غضب أو محاولة انقلاب.
سهل أن تلحظ أن الشاشات اللبنانية تصارع لتبقى، وتتعثر في خياراتها مستسيغة عرض الفضائح والمواجع معتمدة المثير السهل بدل البحث عن الأصعب والأبقى. تم تحويل مساءات الناس إلى حفلات بكاء واستنزاف للمشاعر، كيفما قلبت المحطات، وكأنما الأفكار قد نضبت، وهو ما لا يخدم رفع نسبة الإعلان، ولا الحفاظ على عدد المتفرجين، على المدى الطويل. الاستسهال ليست مثلبة لبنانية، بل هي عربية بحيث يصبح الخروج من حصار الآني والفرجة العابرة، حكراً على من يستطيع فهم لغة أجنبية يهرب إلى محطاتها. ثمة سؤال يستحق أن يطرح: هل المبالغة في عرض الفضائح الاجتماعية والعورات العائلية هو مما يمكن أن ينفع الناس؟ كل ما زاد عن حده نقص. وما نفتقده هو الحرص على اصطياد المعلومات وملاحقتها، الذهاب إلى ريبورتاجات غنية واستكشافية، وتقديمها في قالب نافع ومسلٍ.
لا بأس بالفرح والمرح وبرامج التسالي الخفيفة، والمسلسلات التي تنشغل بقصص الخيانات والغدر وكأنما لا موضوع غيرها، وإلى جانبها جرعة عالية من البصبصة على ما يدور وراء الأبواب المغلقة وفي البيوت وضخ أخبار حول الانتهاكات الجنسية، لكن هل هذا حقاً ما يريده المتفرج؟ وهل تؤدي التلفزيونات غرضها المنتظر منها؟ وهل يحتاج الإنسان إلى عشرات قصص الاعتداء الجنسي كي يدرك أن ثمة انهياراً قيمياً وانحداراً أخلاقياً، يتوجب درؤه. وإذا كان الهدف حلّ كل المشكلات على الشاشات، فتلك معضلة، لأن مكانها في أروقة الجمعيات والمؤسسات الحاضنة، وليس على عيون الأشهاد.
يدرك أصحاب المحطات أن الوقت ليس في صالحهم، وهم يعرفون أن المستقبل ليس زاهراً، والخلاف، في حقيقة الأمر، بين آل المر هو على «ستوديو فيزيون» الحديقة الخلفية لتلفزيون «إم تي في» حيث الإنتاجات العربية والتصوير وما يدرّ الأرباح، وليس في العمق على المحطة نفسها التي تحتاج من يصرف عليها. ولمعرفتهم المسبقة بالأزمة، اجتمع العام الماضي أصحاب التلفزيونات للاتفاق على تشفير أقنيتهم، وجعل خدماتها مدفوعة، وهو ما يصعب تطبيقه. فالهذر وافر على عشرات بل مئات الشاشات العربية. وما لم تكن قادراً على التمايز، فأنت لن تجلب إعلاناً ولن تتمكن من أن ترغم مشاهداً على دفع قرش واحد. قد يكون المتفرج العربي ساذجاً أحياناً، لكنه بالتأكيد من الذكاء بحيث يميز بين برنامج يبقي في نفسه أثراً طيباً عميقاً، وآخر يهب كنسمة سريعة عابرة. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن التلفزيونات اللبنانية تواجه من حيث إداراتها، وتصورها لدورها، تحدي إعادة النظر فيما كان صالحاً لزمن انتهى، بينما الآتي مختلف بالكامل. ويخطئ من يظن بوجود «نيتفليكس» وأخواتها، وشلالات الـ«يوتيوب»، وطوفانات التسجيلات التليفونية، أن التلفزيونات لا تزال تدار بمحرك العصبيات وتتغذى على الوصفات السريعة مهما كانت مثيرة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة