اكتتاب «ليفت» من وجهة نظر نفطية

اكتتاب «ليفت» من وجهة نظر نفطية

السبت - 23 رجب 1440 هـ - 30 مارس 2019 مـ رقم العدد [14732]
تعيش شركات تطبيقات الهواتف للمواصلات أزهى أيامها حالياً، فقبل أيام قليلة استحوذت «أوبر» على منافستها بالشرق الأوسط «كريم» في صفقة قيمتها 3.1 مليار دولار، وتلا ذلك إعلان شركة «ليفت» التي طرحت أسهمها للاكتتاب العام الأولي أن قيمة الشركة 24.3 مليار دولار، وهو ما يجعل قيمة السهم الواحد 72 دولاراً.
و«ليفت» التي تأسست في 2012، يعمل لديها 4700 موظف تقريباً، وهي شركة منافسة لـ«أوبر» التي يعمل لديها نحو 20 ألف موظف، وتنوي طرح أسهمها في أبريل (نيسان) المقبل، ومن المتوقع أن تصل قيمتها السوقية إلى 120 مليار دولار.
وأنا أقرأ خبر «ليفت» والتجهيزات لطرح «أوبر»، تذكرت ما جرى مع شركة نفطية في الكويت اسمها «كويت إينرجي»، وهي الشركة الوحيدة المنتجة للنفط والغاز المملوكة من قبل القطاع الخاص في الكويت، وتعمل في 3 بلدان (مصر واليمن والعراق) وسبق أن كانت لديها امتيازات في دول أخرى، باعتها وتخارجت منها. وأنتجت هذه الشركة في 2018 نحو 28 ألف برميل مكافئ يومياً من النفط والغاز.
للأسف، لم تتمكن «كويت إينرجي» التي تأسست في 2005 من طرح أسهمها في بورصة لندن، رغم المحاولات المتكررة بين عامي 2011 و2017، لينتهي الأمر بهذه الشركة أن يتم الاستحواذ عليها في سبتمبر (أيلول) الماضي، من قبل شركة «يونايتد إينرجي غروب»، وهي شركة نفط وغاز مدرجة في سوق هونغ كونغ، في صفقة بموجبها ستدفع الأخيرة 1.5 دولار لكل سهم من أسهم «كويت إينرجي».
أرقام شركات التطبيقات تبدو مبالغاً فيها جداً، ولذا ماذا يعني كل هذا؟!! الجواب يبدو واضحاً. لم يعد هناك اهتمام كبير من قبل المستثمرين بالشركات النفطية والاستثمار فيها، على عكس الشركات القائمة على التقنية، مثل شركات تطبيقات الهواتف، التي تعمل على أساس مختلف، فهي لا تملك أصولاً، ولا توجد لديها تعقيدات تشغيلية (وبعضها مثل «ليفت» لا يحقق أرباحاً).
ما يجعل المستثمرين يفكرون في «ليفت» وغيرها، هو المستقبل، وليس اليوم. وما يجعلهم يعزفون عن الدخول في مغامرات نفطية، هو المستقبل، وليس اليوم... لكن هذا لا يعني أن الشركات النفطية لا تربح، ولا تجذب أحداً، بل على العكس هي تظل من أكبر الشركات من ناحية المداخيل في العالم، وسيظل الإقبال عليها قائماً لسنوات طويلة.
إن المشكلة هي في النظرة إلى مستقبل القطاع بصورة عامة، وهذا ما قد يؤثر على الشركات الصغيرة أو الحديثة، التي تريد الدخول في القطاع. أما الشركات الضخمة القائمة فهي لا تواجه مشكلات في هذا الجانب.
وفي حقيقة الأمر، إن شركة مثل «كويت إينرجي» يحسب لها وللمساهمين فيها أنهم دخلوا مجالاً صعباً، وهو مجال الاستكشاف والتنقيب والإنتاج، فهذا المجال لا تتحمله سوى الشركات الكبيرة الضخمة التي لديها موارد كبيرة، وتتحمل مخاطر البحث عن حقول نفطية أو استكشافات قد لا تعود بأي عائد، فكم من شركة عندما قامت بالتنقيب اكتشفت أن الإنتاج ليس تجارياً لأسباب فنية أو مالية. هذا إلى جانب المخاطر السياسية المرتبطة بالنفط ودوله.
وهنا نعود للتذكير أن الاستثمار في التقنية والعقول بالنسبة للمستثمرين اليوم أهم من الاستثمار في الموارد الطبيعية. وإذا ما أرادت شركة خاصة أن تقدم نفسها للمستثمرين، فعليها أن تقدم حلولاً كثيرة، وتكون شركة طاقة متكاملة، وليس مجرد شركة استكشاف وتنقيب وإنتاج في مجال النفط والغاز.
أما الشركات الحكومية مثل «أرامكو السعودية»، ومؤسسة البترول الكويتية، وشركة نفط أبوظبي (أدنوك)، فهي في مأمن من كل هذا، لأن لديها امتيازات ضخمة وموارد نفطية ومالية هائلة وتكلفة استخراج للنفط هي الأقل في العالم، ولهذا فإن ربحيتها عالية، وهذا ما يجعل المستثمرين يتجهون لها في حالة إذا ما رغبت في بيع أسهمها.
أما الشركات الخاصة مثل «كويت إينرجي» وغيرها، فهي تحاول فعل المستحيل وسط شركات ضخمة والاستفادة من امتيازات غير مغرية من الناحية الفنية. وبطبيعة الحال، لا يمكن لمستثمرين أن ينتظروا سنتين من البحث والتنقيب والتجهيز للإنتاج من أي استكشاف جديد، وهو ما يجعلهم قلقين ومتذمرين.
إن العالم الذي نعيشه اليوم متغير جداً، ولم تعد هناك مساحة للشركات التي لا تحاول التغيير المستمر. أقول هذه الجملة بعد أيام قليلة من استحواذ شركة «أرامكو السعودية» على الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)، إذ إن هذه الصفقة تجعل «أرامكو» من أكبر شركات البتروكيماويات في العالم؛ وليست مجرد أكبر شركة نفطية فقط.
وسترث «أرامكو» من «سابك» كمية كبيرة من الأبحاث وبراءات الاختراع، وهو ما يصب في عامل التقنية. هذه الأبحاث والبراءات هي ما جعلت «سابك» قبل سنوات تشتري شركة «جنرال إلكتريك للبلاستيك»، بقيمة اعتبرها الجميع مبالغاً فيها حينها، ولكن «سابك» لا تزال تجني ثمارها اليوم.
وعلينا إذاً التفكير في الإبداع ودعمه وتحويل الشركات النفطية إلى شركات منتجة للتقنية، إذ إن هذا ما جعل الولايات المتحدة تعيش ثورة نفطية جديدة. فالأمر كله اختزل في عاملين؛ تقنية متطورة، وتشريعات تساعد الشركات الصغيرة على الدخول إلى السوق والإنتاج من أي مكان.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة