فائق منيف
صحافي و كاتب سعودي. مؤلف كتاب " العاطلون عن الحب ينامون مبكرا".
TT

رأي حسن البنا في رئاسة الإخوان

لم يكن الفريق عبد الفتاح السيسي -وزير الدفاع والحاكم (الديفاكتو) الحالي لمصر- الوحيد الذي نصح الإسلاميين بعدم الترشح للرئاسة، بل إن من الإسلاميين أنفسهم من نصحهم بذلك؛ فالشيخ أبي إسحاق الحويني أشفق عليهم من دخول الانتخابات الرئاسية، وذكر أن من سيحملها سيحمل تركة ً ثقيلةً جدًا، وسيجد مئات التيارات المعادية التي تهدم ما يفعل، وبالتالي قد يخرج فاشلاً، ويُنسب الفشل إلى التيار الإسلامي على أنه لم يستطع تحريك البلد، وأيّد الترشح عندما يكون هناك دولةٌ بمؤسسات مستقرة وطريق واضح، عندها قد يستطيع أي رئيس مخلص قيادة البلد بنجاح يحسب للإسلاميين.

ومن بين الناصحين رئيس حزب النور السلفي الدكتور يونس مخيون، الذي رأى وحزبه عدم الترشح لأن المجتمع -كما ذكر- في حالة انقسام، والدخول في رئاسة الجمهورية سيؤدي إلى المزيد من الانقسام، وربما فشل المشروع الإسلامي في ظل الظروف المحلية والإقليمية والدولية. وقال في لقاء تلفزيوني: إن الدكتور محمد حسين -من قياديي الإخوان- أخبره بأنّ ليس لديهم نية في الترشح للرئاسة لمدة دورتين رئاسيتين، ولا للحكومة لمدة دورة، وتم الاتفاق معهم على ذلك.

محمد البلتاجي أحد قياديي جماعة الإخوان، وأمين حزب الحرية والعدالة كتب حينذاك في صفحته على الفيسبوك: “لست مع تقديم الإخوان مرشحًا منهم للرئاسة، وأرى أنه من الظلم للإخوان وللوطن أن يتحمل فصيل واحد مسؤولية الوطن كاملة في مثل تلك الظروف (برلمان- حكومة- رئاسة)، والمشروع الإسلامي الذي صبر ثمانين عامًا ينبت شجرته مؤمنًا بالتدرج، يجب ألا يتورّط في حرق كل هذه المراحل في عدة أشهر”.

وأهم نصيحة كان يجب أن تكون نبراسًا لجماعة الإخوان في هذه المرحلة هي توجيه مؤسسها حسن البنا، حين قال: “إن الإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلا بد من فترةٍ تنتشر فيها المبادئ، ويعرف فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة، وكيف ينهض بدوره”.

محمّلاً بكل هذه النصائح والآراء المستقرئة للواقع المستشرفة للمستقبل عقد مجلس شورى الإخوان اجتماعاته الدورية يومي 29 و 30 أبريل عام 2011 وانتصر الرأي المؤيد لعدم الترشح بأغلبية ساحقة قدرها 52 عضوًا مع تأييد 13 فقط للترشح. ظلّ الإخوان متمسكين بهذا القرار، وفُصل بسببه العضو البارز عبد المنعم أبو الفتوح؛ لخروجه على نظم وقواعد الجماعة بإصراره على ترشيح نفسه. وتلّقت الجماعة بسببه انتقادات حادة على شاكلة لوم حازم أبو إسماعيل لهم بأن مواقفهم وعدم ترشحهم هو نوع من الرومانسية السياسية التي لا تعجبه. وبعد عام فاجأت الجماعة المراقبين والحلفاء بالتراجع عن قرارها، وحسب التسريبات فإن التصويت على الترشح شهد فرقًا بسيطًا هذه المرة، حيث أيد الترشح 54 وعارضه 52. لم يكن هناك تصريح واضح بأسباب هذا القرار المفاجئ ودوافعه، إلى أن برّر مؤخرًّا المتحدث الرسمي باسمهم محمود غزلان هذا القرار؛ بأنه نتيجة رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة آنذاك لتشكيل حكومة ائتلافية، والتهديد بحل مجلس الشعب.

لقد دفعت الجماعة الثمن غاليًا لهذا الخطأ الاستراتيجي الكبير، وحدث ما تنبأ به كل من حلّل الوضع القائم والمعطيات تحليلاً صحيحًا وموضوعيًّا قبل الانتخابات الرئاسية. كانت الثورة بحاجة إلى من يستطيع ترويضها لتتحول إلى مجتمع ديمقراطي، ولم يكن يستطيع ذلك سوى شخص مستقل تجمع عليه القوى السياسية والشبابية، ويستطيع إشراك الجميع في قيادة ما بعد الثورة إلى طريق الاستقرار الاقتصادي والأمني والسياسي. الجماعة نفسها كانت بحاجة الانتظار في هذه الفترة الانتقالية لإعادة هيكلتها إداريًّا وتنظيميًّا، ولإجراء مراجعات تنتقل بالجماعة من ثقافة العمل تحت الحصار والمنع، إلى العمل العلني في مناخ ديمقراطي، وكانت بحاجته لتدريب كوادرها على العمل السياسي، وانتظار بروز كفاءة منهم للتقدم به مرشحًا بدل التورط بتقديم مرشحين لا تقارن خبراتهم بخبرات منافسيهم، ويتكئون فقط على اسم الجماعة.

ربما يكون الوقت متأخرًا على الندم، لكنه ليس متأخرًا على التصحيح الذي يبدأ بتقبّل الخيارات المتاحة، والاستفادة من وساطات المصالحة، ومن بعدها الاعتكاف على دراسة الأخطاء ومعالجتها.