السعودية وباكستان.. طريق التعاون البناء

السعودية وباكستان.. طريق التعاون البناء

الاثنين - 13 جمادى الآخرة 1440 هـ - 18 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14692]
إميل أمين
- كاتب مصري
في مستهل زياراته إلى عدد من الدول الآسيوية حطَّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الرحال في باكستان كمحطة أولى له قبل الهند والصين، والزيارة في مجملها تستدعي أسئلة عن الأهمية الاستراتيجية لهذا التحرك الدبلوماسي وفي هذا التوقيت بنوع خاص.
يمكن القطع أن زيارات ولي العهد إلى القارة الآسيوية يعني تفهم مساقات العلاقات الدولية ومساراتها، فالمستقبل ولا شك لآسيا، وقلب العالم قد تحرك من أوروبا وأميركا إلى الصين وروسيا، الأمر الذي يجمع عليه خبراء الجيوبولتيك حول العالم، ولا يعني ذلك بحال من الأحوال أن العلاقات السعودية الأميركية أو الأوروبية لا ينبغي الالتفات اليها، بل هناك عملية ضبط للمسافات الدبلوماسية بين الرياض وبقية العواصم والمراكز العالمية، وفي هذا جهد خلاق يضاف لصانع القرار السعودي.
الزيارة إلى باكستان ذلك البلد الاسلامي الكبير تفتح الحديث عن أوجه التعاون الخلاق بينها وبين المملكة العربية السعودية، وهي علاقات ليست وليدة اليوم، بل لها جذور منذ وقت طويل، ومحطات من التعاون على كافة أوجه الحياة الإنسانية، وربما عبَّر الباكستانيون، في استبقالهم لولي العهد الأمير محمد، عن تلك المشاعر من خلال اللافتات التي رفعوها، في الشوارع والميادين التي استقبلت ولي العهد، معتبرين أن السعودية وباكستان جسد واحد، وهذه حقيقة دون مغالاة.
تبقى باكستان في كل الأحوال دولة مهمة، فرغم تاريخها القصير نسبياً مقابل المملكة، إلا أنها استطاعت وبسواعد أبنائها أن تبني دولة عصرانية، تتمتع بقوات مسلحة قوية، وقادرة على صون الداخل، ومحاولة إحداث توازنات في علاقاتها مع دول الجوار لا سيما مع الهند، وهذه مسألة ليست يسيرة، ناهيك عن الصين، وبقية الدول الآسيوية القريبة منها، سواء الإسلامية أو غيرها.
والشاهد أن باكستان كانت دائماً ملبية للنداءات التي تخرج عن المملكة، فقد سارعت مؤخراً بالاستجابة لدعوة من شأنها بلورة تعاون إسلامي عسكري يقف صفاً وحداً في مواجهة الإرهاب، وكانت ولا تزال من الدول التي تتشارك الكثير من الرؤى مع المملكة من أجل مستقبل أكثر أمناً وأماناً لشعوب البلدين.
تكتسب الزيارة أهمية خاصة في هذه الاوقات تحديداً، حيث قوى اقليمية بعينها تحاول تعكير صفو اجواء منطقة الخليج العربي، ونقصد بذلك ايران تحديدا، والتي سارعت في اليومين الماضيين بإلقاء التهم الجزافية على المملكة والامارات وباكستان، في حين يعلم القائمون عليها علم اليقين ان الصراع الداخلي دبَّ في اوصالها، وانها تدفع ثمن ارهابها وتدخلاتها الخارجية حول العالم، وان الاطراف المتهمة من قبلها، لا علاقة لها في الحال او الاستقبال بالازمة الطاحنة التي تدور رحاها هناك.
تجيء الزيارة كذلك لترتيب كثير من الاوراق الاستشرافية الاستراتيجية، ذلك ان ما يتسرب عن الولايات المتحدة الاميركية من اخبار حول صفقات جديدة مع طالبان لا يدعو إلى كثير من الاطمئنان، وهناك مخاوف كبيرة من أن يكون الأمر بداية لحلقة جديدة من حلقات التعاطي الاميركي مع الجماعات الراديكالية في شرق آسيا، والهدف الذي لا يخفى على أحد من وراء ذلك محاولة حصار الصين من جهة، وقطع الطريق على الصحوة الروسية، بل وعرقلتها من جهة اخرى.
أفضل ما في زيارة الأمير محمد بن سلمان ولقائه مع رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، يتمثل في بلورة خطوط طول وعرض لقادم الأيام وفي منطقة ملتهبة وتتهددها الانفجارات في الاوقات الآنية وفي المستقبل القريب دون ادنى شك، ولهذا يحاول القائدان رسم ملامح ومعالم المستقبل من قبل ان يبادر أحد آخر لرسم الصورة وبما لا يصب في صالح شعوب المنطقة والبلدين معا.
هتافات الجماهير الباكستانية للضيف السعودي الكبير في حقيقة الأمر عبرت عن حقيقة ذكرها الباكستانيون على صفحات التواصل الاجتماعي، وهي انهم طوال السنوات التي امضوها بحثاً عن لقمة العيش في الداخل السعودي، لم يجدوا الا الترحيب ومشاعر الأخوة، وانهم عاشوا طيبة في كرم الضيافة، وغيرها في العمل الشريف الذي يدر ربحاً طيباً ويقدم فائدة حقيقية للاقتصاد في المملكة.
تبقى الرحلة مفتتحاً للكثير من الاتفاقيات والرؤى التي يمكن تفعيلها على الأرض، في مجالات العمل السياسي والعسكري، وربما يكون التعاون الاستخباراتي مجالا متقدماً محبوباً ومرغوباً لقطع الطريق على جماعات العنف المسلح، وفتح آفاق للتعاون الاقتصادي والتجاري، والمملكة كانت ولا تزال داعمة لحلفائها بكل ما يقدر لها في جميع الأوقات، والشعوب الاسلامية الآسيوية لديها تجارب وخبرات ايجابية مضافة تشهد بمصداقية وموثوقية ما نقول به.
زيارة الأمير بن سلمان تعبير مؤكد على علاقات راسخة مع دولة لها موقع وموضع مهم وفاعل في شبه القارة الهندية، وحتماً سوف تسفر عن الكثير من الرؤئ المستقبلية الايجابية لصالح البلدين الصديقين والشقيقين دفعة واحدة.
التوجه الى الشرق بات اليوم فرض عين، انه الشرق الخلاق الذي يستيقظ من رقاد طويل، في محاولة غالباً سيكتب لها النجاح لإعادة رسم خريطة كونية جديدة بتوازنات وطبقات بنيوية مغايرة عما جرت به المقادير منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة