سلام الله على المخفّين

سلام الله على المخفّين

الأربعاء - 30 جمادى الأولى 1440 هـ - 06 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14680]
يمر على الدنيا أناس طيبون ورائعون. تأخذنا دوامة الحياة والروتين اليومي دون أن نقول لهم كم نحن نحبهم. ننسى إننا وإياهم غير مخلدين في هذه الحياة وسنرحل شئنا أم أبينا. تخذلنا المواقف أحيانا فلا نعرف مقدار محبتهم إلا عندما نفقدهم، ثم نصاب بصدمة الفقد والرحيل دونما فرصة أخيرة للوداع.

الفقد... هذا المرض اللعين الذي يصيب النفس البشرية، يأكل من أرواحنا كل يوم ولا يشبع، نحمله فوق أكتافنا ونسير به في هذه الحياة.

في الموت دائما عظة وحكمة لا يعلمها إلا الله تعالى. نحزن ونبكي ولا نجد سبيلا إلى باب الله غير الصبر والدعاء، ومع رحيل الطبيبة المصرية هبه خفاجي فقدنا "طاقة نور"؛ فقد وهبت خفاجي حياتها من أجل مساعدة وخدمة الغير.

تلك الطبيبة الشابة التي أطلق عليها مرضاها قبل أصدقائها "طبيبة الغلابة"، أمضت سنوات عمرها القليلة تسعى لخدمة مرضى السرطان والمحتاجين، توفر لهم العلاج مجانا وتشرح لهم كيف يواجهون المرض. تلقي خفاجي بحجارة واحدة وسط بحيرة فتحدث دوائر ودوائر من التغيير والفرح، تدفع المحيطين من حولها إلى حب الخير والناس والشعور بالآخر من أجل أن يتشابكوا فتصبح الدوائر"روحا" واحدة من الإنسانية المطلقة.

لقد سعت الراحلة بكل جهدها لتوفير الدواء وسبل العلاج لهذا المرض الذي نال من كثير من المصريين.

قدمت خفاجي أستاذة الأورام بمستشفى «القصر العيني»، عبر منصتها على مواقع التواصل الاجتماعي المساعدة لمن لا تعرفهم. سخرت جهودها طوال الوقت للخير والإنسانية أولا، فكانت ملجأ للجميع.

ومع نبأ وفاتها المفاجئ إثر أزمة قلبية، ووسط حالة من الذهول، انطلقت منصات رواد التواصل الاجتماعي برواية قصص كثيرة من مواقفها النبيلة حيث ظلت تعمل بهدوء وإخلاص وإنسانية وشعور بالآخر حتى آخر ساعة من حياتها.

وحسب وصيتها التي أظن أن كتابتها لها، لم تكن للصدفة، أوصت بالفرح واعتزال طقوس العزاء الكئيبة بتوزيع العصائر ولعب الأطفال بدلا من القهوة السادة والحزن.

فكان عزاؤها الممتلئ بالمحببين هادئا في تفاصيله. يوزع أصدقاؤها مصاحف ملونة، وعصائر وحلوى وتمرا. تلتقي الأعين بنظرات حزينة صامتة، يواسي الجميع بعضه البعض دون سابق معرفة.

شعرت للحظة أنها موجودة معنا في سرادق العزاء.

طوفان من الحب والتقدير ومواقف مؤثرة قدمتها عبر رسالتها القصيرة كطبيبة، فطالما شعرت بمدى ألم ووجع الآخرين من حولها، نفذت نصيحة جدتها التي أوصتها أن "تسمع الناس" وتشعر بالمرضى وتشرح لهم وتفسر طبيعة حالتهم، مقدمة لهم العون والدعم، فكانت من العابرين على الدنيا، خفيفة بروحها هادئة برحيلها، فكانت خالدة في قلوب محبيها.

فسلام الله على روحك.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة