عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

التاريخ يعيد نفسه

الناظر من خارج بريطانيا إلى صحافتها، خصوصاً الليبرالية، هذا الأسبوع، قد يعتقد أن البلاد لا تزال في القرن السابع عشر ومجلس العموم، ممثلاً في رئيسه جون بيركو، يخوض معركة تاريخية لاستعادة السيادة من حكومة أوتوقراطية.
لكن التدقيق في تحليلات أقلية من المعلقين يرسم صورة أخرى تحذر من إدخال رئيس المجلس البرلمان في متاهة لا سابقة لها في لوائح سير العمل البرلماني لخمسة قرون.
فقد سمح لمجموعة نواب موالين للاتحاد الأوروبي بإدخال تعديل على قرار البرلمان في الشهر الماضي، وهو الذي أجبر الحكومة على العودة إلى المجلس باتفاقية الخروج من الاتحاد لمناقشتها قبل التصويت عليها بعد غد (الثلاثاء).
تعديل يمنح الحكومة، في حالة رفض البرلمان الاتفاقية، كما هو متوقع، مهلة ثلاثة أيام فقط لتقديم خطة بديلة للتصويت عليها.
والتعديل فيه تعجيز للحكومة، فالواضح أنه مناورة للانتهاء إلى طريق مسدودة، إما بقصد إبقاء المملكة المتحدة في الاتحاد أو التماس العذر لإجراء استفتاء آخر بأمل أن تأتي النتيجة بعكس نتيجة استفتاء عام 2016.
الخطورة أن الأزمة تتجاوز ما يعتبره البعض نية سيئة إلى عرقلة سير الأعمال البرلمانية، ما يضر بالديمقراطية نفسها، فصياغة قرار البرلمان الشهر الماضي تحظر لغته القانونية إضافة تعديلات عليه وفق التقاليد البرلمانية.
لكن رئيس البرلمان، مساء الثلاثاء، سمح لديمين غريفيز، الوزير السابق في حكومة ديفيد كاميرون والموالي للبقاء في أوروبا، بإدخال التعديل أعلاه.
تعديل يثير إشكاليات تتجاوز نزاعاً نشب بين عدد من النواب والرئيس المتهم بعدم الحياد، الضروري لمن يشغل منصبه، وهو الأهم في العمل الدستوري في النظام البرلماني، لأنه الحكم النهائي في إدراج أو منع فقرات المناقشة والتصويت عليها.
النزاع لوّح أيضاً برايات الخطر باحتمال أن يفقد واحد من أكثر شعوب العالم تحضراً والتزاماً بالقانون والديمقراطية ثقته بأم البرلمانات وبقوانين تنظيم المجتمع.
في وقت إضافي لجلسات الأربعاء، أثار نواب «نقطة نظام»، والمقصود بها تفسير أو إصلاح خطوات مبهمة في تسلسل الإجراءات البرلمانية وخطوات إصدار القوانين. استمر الهجوم على رئيس البرلمان لأكثر من ساعة.
البلاد ليس فيها دستور مكتوب، ولا توجد صياغة مسبقة للوائح تنظيم سير العمل البرلماني وإنما رسخت بتراكم الممارسات والسوابق المتوصل إليها.
المرجع النهائي لهذه اللوائح هو «الكلارك» أو الكاتب العمومي للبرلمان، وهو مكتبٌ العاملون فيه محامون دستوريون، يراهم من يشاهد جلسات البرلمان بملابس وأغطية رأس القرن الثامن عشر حول طاولة الوثائق أمام كرسي الرئيس.
طوال ساعة، الأربعاء، رفض الرئيس بيركو الإفصاح عن فحوى الاستشارة القانونية التي قدمها الكاتب العمومي بشأن قبول تعديل النائب غريفيز.
عرف الصحافيون، بأساليبهم الخاصة، أن الكاتب نصح الرئيس بأن إدخال التعديل مخالف للوائح البرلمانية.
إجابة عن تنبيه سبعة من النواب بانتهاكه للوائح، أجاب الرئيس بأن مخالفته اللوائح كانت «اجتهاداً» في تفسيره لها، وبلا اجتهادات تضع سوابق لتقليدها لا يمكن لمسيرة الديمقراطية أن تتقدم.
التفسير حق يراد به باطل، كما جاءت إجابات منتقديه والمحامين الدستوريين.
اثنان من المؤرخين رأيا في تصرف بيركو تصلفاً وغروراً يريد أن يدخل بهما التاريخ، كبطل يقود البرلمان في معركة ضد الحكومة، مقلداً دور رئيس البرلمان ويليام لينتهول (1591 - 1662) في الصراع مع حكومة تشارلز الأول (1600 - 1649) الذي أدى إلى حرب أهلية (1642 - 1651).
كثيرون يرون رئيس المجلس (كان أعلن أنه مع البقاء في الاتحاد الأوروبي) غير محايد ويدعم تياراً يريد سلب الشعب من نتيجة استفتاء 2016، مستخدماً أدوات برلمانية لاستعادة مبادرة التفاوض من الحكومة وتسليمها إلى بروكسل.
في يناير (كانون الثاني) 1642، دخلت قوات الجيش قاعة مجلس العموم لاعتقال خمسة من النواب تحدوا مجلس الوزراء مصرين على إخضاعه لسلطة البرلمان، فرفض الرئيس لينتهول الانصياع، قائلاً إنه يتلقى الأوامر من المجلس فقط ولا سلطة فوقه، وهو خادم ينفذ أوامر البرلمان.
المفارقة أن الرئيس الحالي بيركو يسمح بتعديل قرار صوت البرلمان بتثبيته وعدم التعديل فيه.
النواب الموالون للاتحاد الأوروبي قدموا عشرات التعديلات على تفاصيل قرار الاتفاقية واتضحت نيتهم في الأيام الأخيرة بالمطالبة بتأجيل تنفيذ الخروج المقرر له نهاية شهر مارس (آذار) هذا العام.
الدرس المستخلص أيضاً من الأزمة البرلمانية أن استقلالية الصحافة وحريتها شبه المطلقة لا تعني بالضرورة حيادها التام، كما يتوقع مستهلك الأخبار في النظم الديمقراطية، خصوصاً الصحافة الممولة مباشرة من الشعب كـ«بي بي سي»، التي يشترط المرسوم الملكي بترخيصها الحياد.
المفارقة أن الصحافة البريطانية وهي الأقدم والأكثر استقلالية تاريخياً (كتجارية تعتمد على التوزيع لا الدعم) كانت الأولى التي عرفت بالسلطة الرابعة، وتشرف على محاسبة السلطات الأخرى للمحاسبة.
البرلمان ممثلاً للشعب يخضع الحكومة للمحاسبة، ولكن من يحاسب البرلمان؟
الصحافة بالطبع، خصوصاً المجموعة الصحافية البرلمانية، التي تقف بالمرصاد لأخطاء نواب البرلمان، والصحافة بدورها تخضع لمحاسبة الشعب الذي ينصرف عن شرائها أو التجول بين موجات بثها، خصوصاً أنها لم تعد تحتكر النشر والبث في عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها الصحافيون البرلمانيون لحظة سير العمل البرلماني من الداخل قبل مواعيد الطبع أو البث، وخارج نطاق الموقف السياسي لمؤسساتهم.
الصحافة التي تريد إبقاء البلد في الاتحاد الأوروبي تتغافل عن أن تصرف رئيس البرلمان بيركو قد ينقص، على المدى الطويل، من سيادة البرلمان واستقلاله في حالة فوز حزب بأغلبية ساحقة (بعكس برلمان اليوم المعلق) ويتبع سابقة خرق لوائح (صممت لحماية الأقلية من طغيان الأغلبية) بتغيير القرارات التي صوّت عليها الشعب لعقود طويلة.
هل يصبح البرلمان في هذه الحالة ممثلاً للشعب؟
وزير المواصلات كريس غريلينغ حذر الجمعة، من أن محاولة البرلمان عكس إرادة الشعب ستفقد الثقة بالعمل الديمقراطي وقد تستغله قوى التطرف القومي اليميني، كما حدث في ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي.
رجل الشارع، الذي لا يمتلك منبراً صحافياً أو مقعداً برلمانياً، سلاحه الوحيد هو صوته الذي يدلو به في صندوق الاقتراع كل خمس سنوات أو عند الاستفتاء. لكن هذا الصوت على وشك أن يسلب منه في قاعة البرلمان الذي يفترض أن يمثله.
وهنا يكون رئيس البرلمان في محاولته تقليد من سبقه في يناير 1642 قد زرع بذور بداية حرب أهلية بفتنة شعبية في فقدان المواطن، ليس فقط الثقة بالبرلمان بل بالسلطة الرابعة التي يفترض أن تكون عين الشعب على ممثليه.