سوار الحب له ثمن!

سوار الحب له ثمن!

الأحد - 29 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 06 يناير 2019 مـ رقم العدد [14649]
جوسلين إيليا
إعلامية وصحافية لبنانية عملت مقدمة تلفزيونية لعدة سنوات في لندن وبيروت، متخصصة في مجال السياحة.
عندما أطلقت دار «كارتييه» الفرنسية للمجوهرات عام 1969 سوار الحب Love Bracelet من تصميم الإيطالي ألدو شيبولو، شهد الحب ولادة حقيقية تترجم في ذلك السوار الذهبي الجميل الذي يثبت على المعصم بواسطة برغيين يمسكان قطعتي الذهب، وبواسطة مفك مطلي بالذهب أيضا يقفل السوار ويتحول إلى قطعة أبدية تترجم حب الشريك الأزلي لرفيقة قلبه وحياته.

فكرة السوار، وبحسب ما يدل عليه الاسم، تحتفل بالحب بكل ما فيه من سمات جميلة وراقية وبعيدة عن الماديات والتباهي لدرجة أن دار كارتييه كانت تمنع بيع السوار لغير الأزواج، وأول من صمم لهم السوار، إليزابيث تايلور وشريكها حينها (ريتشارد بيرتن)، وصوفيا لورين وشريكها كارلو بونتي، وكانت عملية بيع السوار أشبه بعماد للحب حيث يثبت الرجل السوار على معصم حبيبته ويحتفظ بعدها بالمفك، وهكذا يكون السوار أبديا ودلالته هي الحب الأزلي ودوام العلاقة.

تبدلت الأمور وتغيرت مفاهيم الحب وأصبحت مرتبطة أكثر بالماديات، وتحول التعبير عن الحب ماديا أيضا، ففي عام 2007 أخذت دار كارتييه منحى آخر لأسطورة الحب التي ابتدعتها ورأت في هذا السوار فرصة لمبيعات تفوق التوقعات بعدما أصبح وجود السوار على معصم المشاهير سواء كانوا إناثا أو ذكورا، حاجة ملحة وحلما لأصحاب المال الجدد، واليوم فتحت كارتييه الباب على مصراعيه ولم يعد السوار حكرا على الأزواج بقدر ما هو مخصص لمن لديه مبلغ من المال يتأرجح ما بين 4500 دولار و56.500 دولار.

فكرة هذه المقال راودتني منذ زمن بعيد ولكني لم أعد أحتمل فكرة تقييم الحب بالمال بعد مشاهدة صورة جديدة للعارضة كايلي جنير نشرتها على حسابها على موقع «إنستغرام» وهي تتباهى بعرض ستة «أساور حب» على معصمها، وبصراحة شدني المشهد كثيرا لأن السوار بالأساس يدل على أن المرأة التي تلف معصمها به مرتبطة بعلاقة عاطفية، ولكني احترت في تفسير وجود ستة أساور على معصم واحد، فهل يا ترى هذه علامة على أن حب شريكها لها يفوق السوار الواحد أم أن هذا يعني بأنه لم يعد للحب معنى يرتبط بالرومانسية؟

اللوم لا يقع فقط على حديثي النعمة، لا، بل يقع أيضا على المسؤولين عن تسويق الحب، وهذا السوار تحديدا أصبح رمزا للتباهي ولم يعد مرتبطا بمعناه الحقيقي، لأن اللوم يقع أيضا على دار كارتييه التي جردت الفكرة من مغذاها الحقيقي وألغت فكرة البيع للأزواج فقط، وأصبح البيع متوفرا للجميع لدرجة أن الشركة زادت سعر السوار بنسبة 10 في المائة بعد الطلب الزائد على الشراء من النساء العزبات بشكل كبير.

أعرف أن الشركات تصمم لتبيع ولتحقق الأرباح بهدف الاستمرارية ولكن من المؤسف أن نرى أمام أعيننا كيف تتبدل المفاهيم والقيم والأحاسيس، فبدلا من أن تقوم كارتييه بحماية نفسها قانونيا ضد التصميمات المزيفة للسوار، كان حريا أن تقوم بتسجيل الفكرة التي كانت معتمدة وراء التصميم وتخليدها وجعلها مرتبطة دائما بالحب الحقيقي، وليس بالابتذال من خلال التملق لمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الذين يسنون قوانين الموضة علينا بحسب الهدايا التي تصلهم.

الحب من أرقى أنواع الإحساس حتى وإن كان المال في أيامنا هذه مهما جدا، فأنا مثلكم أيضا أعيش على أرض الواقع، ولكن عندما تكون هناك فكرة مقدسة للحب كما هو الحال مع السوار الذي يحمل اسمه، فأعتقد أنه من الأفضل تركه بحاله وتحويل قدراتنا الإبداعية في التصميم على خلق قطع مجوهرات أخرى لا تمت بالحب بصلة، لأنه لا يجوز أن يكون للحب ثمن!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة