عقلانية عباس وجموح «حماس»

عقلانية عباس وجموح «حماس»

الأحد - 15 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 23 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14635]
نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني
صمد الرئيس الفلسطيني أمام ضغط شعبي كثيف، انتشر وتصاعد جراء الاستباحة الإسرائيلية للضفة، ورغم المزايدات التي بلغت حد التخوين للسلطة ومؤسساتها وقادتها فإن الرئيس عباس أصدر أوامر صريحة ومشددة لحركة «فتح» التي يرأسها، ولقوات الأمن بضبط النفس وعدم الانجرار للاستفزازات الإسرائيلية التي كانت تفتش عن ذرائع إضافية للقيام بمزيد من التنكيل بالفلسطينيين.
ولم يكتف بمجرد ضبط النفس، بل أوعز لقادة أجهزة الأمن بعدم التوقف عن التنسيق الأمني وفق وتيرته المعتادة، مفسحاً في المجال أمام الجهود المصرية والأردنية لتطويق التصعيد ووقف الهجمات الإسرائيلية التي يقوم بها الجيش والمستوطنون والمترافقة مع قرارات استيطانية شرعت ما كان يسمى بالمستوطنات العشوائية وغير القانونية، مع الكثير من الإجراءات الاستثنائية التي تضيق الخناق على المواطنين الفلسطينيين وتجعل حياتهم جحيماً لا يطاق.
عقلانية عباس قابلها تحرك واسع من قبل «حماس» عبر مظاهرات برز فيها العنصر النسائي بصورة لافتة، وقد شملت معظم المدن الرئيسية في الضفة، وكانت الشعارات المرفوعة معادية للسلطة ومنددة بامتناع أجهزة الأمن عن الاشتباك مع الإسرائيليين وتجنبهم الاحتكاك بهم.
يمكن أن يفهم سخط الناس على الاستباحة الإسرائيلية كرد فعل شعبي تلقائي، كما يمكن بالمقابل تفهم امتناع السلطة عن الرد أو المواجهة المسلحة، ولو على أضيق نطاق، بحكم تواضع القدرة على الأقل والتخوف من الانتقام الإسرائيلي.
إلا أن ما أقلق الرئيس عباس غير ذلك هو إعلان قادة «حماس» من غزة وذلك بالاحتفالات بمناسبة انطلاقتها، عن أنها قررت نقل المواجهة مع إسرائيل من القطاع إلى الضفة ما يضع الرئيس عباس والسلطة في رام الله في موقف حرج للغاية، آخذين في الاعتبار احتمال تجدد انتفاضة شعبية مسلحة لا تستطيع السلطة قمعها ولا تتحمل نتائجها باستذكار الانتفاضة المسلحة التي أرهقت الشعب الفلسطيني وقوضت إمكانيات العمل على المسار السياسي.
وجرياً على العادة المألوفة يتحرك المصريون بدأب لتطويق التصعيد، غير أن الاستجابة الإسرائيلية للتحرك المصري، تبدو حتى الآن محدودة للغاية، فلا يزال الجيش والمستوطنون يملأون مناطق الضفة كافة ويواصلون عزل المدن والقرى، وقطع الطرق، وإطلاق يد المستوطنين للعمل تحت حماية الجيش، وذلك مع تواصل إجراءات هدم البيوت، والتهديد بنفي ذوي الذين قاموا بالعمليات بعيداً عن قراهم وأماكن سكناهم، وهذا النوع من العقوبات يشكل بالفعل أعمال استفزاز للفلسطينيين وتأليبهم على السلطة، ولا شك في أن حركة «حماس» المزهوة بما تعتبره انتصارات كبرى على إسرائيل، تباهى بها قادتها في احتفالاتهم المبالغة في استعراض القوة والتوعد بمزيد منها، ترى أن العمل على إشعال الضفة من خلال عمليات عسكرية على غرار تلك التي قامت بها أو تبنتها مؤخراً، سيؤدي إلى تسجيل نقاط تفوق لمصلحتها في سياق سجالها المتصاعد مع السلطة في رام الله، وبعضهم أفصح عن أن إشعال الضفة سوف يخفف الضغط على غزة على افتراض أن إسرائيل لا تملك قدرة كافية على معالجة جبهتين في وقت واحد، وتحليل كهذا تنقصه الدراية بما تسعى إليه إسرائيل في معالجة أمر غزة والضفة في وقت واحد، فإسرائيل ولأسباب تكتيكية صرفة، تسعى إلى تهدئة مريحة لها في غزة وبأبسط الأثمان، ولقد حققت حتى الآن ما أرادت هناك. وها هي توسع نشاطها العسكري والاستيطاني إدراكاً منها بأن المعركة الأساسية بالنسبة لها هي في الضفة، وأن مستقبل صراعها مع الفلسطينيين يحسم في الضفة، وستكون في غاية الرضا والسعادة لو واصلت «حماس» صراعها المعلن مع السلطة، فصراع كهذا وإن بدا على السطح أنه يحرز تعاطفاً مع المقاتلين وإدانة للمتعقلين، إلا أن نتيجته المباشرة إضعاف الطرفين الفلسطينيين حد تراجع الفاعلية إلى ما دون الحد الأدنى.
إن وعي ما تسعى إليه إسرائيل يتطلب أول ما يتطلب وقف حرب الأشقاء والتنافس البائس بينهما، والإقلاع عن فكرة أن التنكيل بالضفة يريح غزة، فلا «حماس» تملك قدرة كافية على إطلاق وإدامة انتفاضة مسلحة في الضفة، ولا السلطة في رام الله تقدر على الاستمرار في أداء واجبات الحد الأدنى المنوطة بها حال استمرار الاجتياحات الإسرائيلية المتواترة للمدن والقرى الفلسطينية.
القرار المنطقي الذي يتعين على حركة «حماس» التفكير فيه، والإقدام عليه دون إبطاء هو أن تتضافر مع «فتح» وسائر القوى الوطنية الفلسطينية في جهد منهجي منظم ومستمر عنوانه ومضمونه المقاومة السلمية، ولهذا الخيار العاقل والمجرب كل الفرص لتوحيد الشعب الفلسطيني ومضاعفة مردود صموده وجهده السياسي والتنموي.
ويجدر بحركة «حماس» أن تتذكر ما ذهبت إليه في الشهور الماضية تحت عنوان المقاومة السلمية أن تقوم التجربة دون شطط أو مغالاة مع أساسية رؤية الفارق الموضوعي بين شطري القلب الواحد الضفة وغزة.
هنالك نقطة وسط لا بد أن تلتقي عليها العقلانية والجموح، فإن لم تجدها «حماس» و«فتح» فلا أمل في أي أمر يفعل.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة