تشكيل لجنة... مرض عربي مزمن

تشكيل لجنة... مرض عربي مزمن

الثلاثاء - 26 ذو القعدة 1439 هـ - 07 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14497]
داود الفرحان
كاتب عراقي
أشهر وأنجح لجنة دولية معاصرة هي اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تأسست في جنيف عام 1863 ونالت جائزة نوبل للسلام ثلاث مرات؛ في أعوام 1917 و1944 و1963. وهي ترتبط بعلاقات تعاون وثيقة مع لجان الهلال الأحمر العربية. لكن موضوع هذا المقال ليس عن اللجان الإنسانية، فهي لحسن الحظ غير مصابة بفيروس اللجان الإدارية التي صارت مشكلة مستعصية في الدول النامية والفقيرة تعيق أي محاولات لمكافحة الفساد والفقر والتخلف والاضطهاد.
هناك قول شائع في السلوك الإداري لدى معظم المؤسسات الحكومية العربية مفاده إذا أردت أن تقتل فكرة ما أعلن عن تشكيل لجنة لدراستها!
واللجنة في اللغة العربية هي مجموعة من الأشخاص يتم اختيارهم لفحص أمر أو إنجاز عمل. جمعها لَجَنات أو لَجْنات أو لجان. والأساس في تشكيل هذه اللجان أن تتفرغ لأمر معين لإنجاز مهمة محددة، ويكون أعضاؤها من المتخصصين في القضية ذات العلاقة. ومهمات هذه اللجان في الدول المتقدمة تختلف عن مهماتها في الدول التي تشكو من مشكلات مزمنة في هياكلها الإدارية والتنظيمية.
ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم تشكلت ملايين اللجان في وزارات ومؤسسات ودوائر العراق، وأنا أعرضه نموذجاً سيئاً في فن الإدارة له ما يوازيه أو أسوأ في دول عربية وأفريقية ولاتينية.
في بداية الستينات من القرن الماضي قرر عشرة طلاب عرب يقودهم عراقي تأسيس أول رابطة للطلبة العرب في اليابان. وأهل اليابان يسمونها لجنة الطلبة العرب. ورئيس أي لجنة يابانية يعادل في مهابته الوزير. ويتم اختياره بالانتخاب ليكون محترماً من الجميع، ويُفضل أن يكون أكبرهم سناً حتى وإن كان أقلهم كفاءة. اجتمع الطلبة العرب في بلاد الشمس المشرقة وأصدروا بياناً يُفترض أنه يحدد الأسباب الموجبة لتأسيس هذه الرابطة أو اللجنة ومهماتها في رعاية الطلبة العرب. دعونا نقرأ مقدمة بيانها التاريخي كما زودني به رئيس اللجنة: «إن العرب أمة واحدة فَرّقَها الاستعمار وأعاق توحيدها». ولذلك فإن اللجنة أو الرابطة «تؤمن بسياسة الحياد الإيجابي والتعايش السلمي والابتعاد عن التكتلات والأحلاف العسكرية وتوسيع التعاون الدولي على أساس المنافع المتبادلة وطبقاً لمبادئ باندونغ وحق الشعوب في تقرير المصير والعمل على توطيد السلم في العالم». وتعمل اللجنة على «دعم الحركات التحررية في الوطن العربي والنضال ضد الاستعمار ومساندتها بالوسائل الممكنة لبلوغ حريتها واستقلالها». وتدعو اللجنة إلى «إقامة العدالة الاجتماعية والصناعات الثقيلة الوطنية وتوظيف رأس المال الوطني في المشاريع المنتجة والعمل على تطبيق الإصلاح الزراعي وزيادة الإنتاج القومي ونشر الرخاء العام في الوطن العربي». وتأخذ اللجنة على عاتقها «إعطاء صورة صحيحة عن إرادة العرب بأن يعيشوا أحراراً وعن رغبتهم الصادقة في أن يجدوا جميع الأمم تتمتع (مثلهم!) بالحرية»! ولم يتطرق البيان إلى ميزانية اللجنة وهيكلها الإداري ونظامها الداخلي لأن ذلك ليس مهماً إزاء مهماتها الخطيرة في «نشر الرخاء العام في الوطن العربي»!
من الظواهر «الحضارية» لدينا أن اللجنة الواحدة تُفرخ لجنة أو لجاناً أخرى. ولا تدخل دائرة ما وتسأل عن مسؤولها إلا ويقول لك السكرتير إن السيد المدير العام عنده لجنة. ولا أحد يعترض أو يتهكم لو كان الأمر يستدعي تشكيل لجنة فعلاً، لكن كثيراً من الأمور لا يحتاج إلى أية لجان لأنها توافق بعد عدة جلسات على رأي السيد الوزير أو المدير العام.
وفي منتصف السبعينات من القرن الماضي ترأس نائب رئيس مجلس قيادة الثورة (في حينه) صدام حسين سلسلة اجتماعات تهدف إلى ما وصفته أجهزة الإعلام بترشيق الدولة والتخلص من الحلقات الإدارية الزائدة وتقليص اللجان التي تستنزف الأموال والجهود والوقت. وتَقَرَر في ختام الاجتماعات تشكيل لجنة عليا لتصفية تلك اللجان، وقامت كل وزارة بتشكيل لجنة لنفس الغرض، ثم نزولاً في سلم الهرم الإداري تم تشكيل مئات اللجان الفرعية الجديدة في كل مؤسسة ومديرية عامة وجامعة وكلية ومستشفى ومصنع حتى وصل الأمر إلى تشكيل لجان جديدة في المدارس لمساعدة الفقراء ومعونة الشتاء والتنظيف والأنشطة الرياضية والامتحانات. وتمادى البعض في الاستعراض إلى درجة تشكيل لجان في السجون؛ واحدة للأغذية وثانية للتكافل الاجتماعي وثالثة للترفيه ورابعة لإصدار مجلة شهرية وخامسة للتنظيف وسادسة لإعادة إعمار السجون وسابعة لزراعة الحديقة!
اللجنة العراقية الوحيدة التي كانت تؤدي مهماتها بشكل سليم هي اللجنة الأولمبية قبل أن يتولاها نجل الرئيس الأكبر الذي حولها إلى دولة داخل الدولة، وفيها لجان تحقيقية أكثر من لجان كرة القدم والكرة الطائرة وكرة السلة والمصارعة والملاكمة وسباقات الساحة والميدان.
أما في نظام الحكم الحالي في العراق فمجلس النواب شكل أكثر من 50 لجنة كل واحدة منها تلغي قرارات الأخرى، وصار أي قرار لرئيس الوزراء بإطلاق سراح معتقلين، مثلاً، يحتاج إلى تشكيل لجان برلمانية وأمنية وحزبية ومحاصصية لتحديد المشمولين به، بينما اعتقال أي مواطن لا يحتاج إلى تشكيل لجنة ولا إذن قضائي ولا أمر مكتوب، ويكفي أن تصطاده أي ميليشيا في السيطرات الحقيقية أو الوهمية أو من منزله وتنقله إلى معتقل سري أو تعدمه في وسط الشارع. الاعتقال أو الاغتيال فوري بينما إطلاق السراح يحتاج إلى تشكيل لجنة.
وأعود إلى اليابان. فقد كنت أعتقد أن الدول المتقدمة تخلصت من هذه اللجان أو خففت من حدتها، إلى أن زرتُ طوكيو فاكتشفتُ أن اليابانيين يعتقدون أنه لا معنى للحياة من دون وجود لجنة. وهم يشكلون لجنة لدراسة أي مقترح أو أي احتفال حتى وإن كان احتفالاً بعيد ميلاد أحدهم. غير أن اللجان اليابانية تختلف، مثل أي شيء آخر، عن لجان الدول الأخرى الراكعة أو الشامخة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة