روسيا تقرر فرض عقوبات على العقوبات الغربية

روسيا تقرر فرض عقوبات على العقوبات الغربية

الأحد - 6 شهر رمضان 1439 هـ - 20 مايو 2018 مـ رقم العدد [14418]
في الوقت الذي تقلل فيه البنوك الأجنبية من سقف توقعاتها بشأن النمو بالنسبة إلى روسيا بسبب الاحتمالات المتزايدة بشأن فرض عقوبات أميركية جديدة، يبحث المشرعون الروس عن رد فعل قوي وصارم. وهناك مقترح يجعل من غير القانوني إطاعة العقوبات الدولية، قد نال موافقة مبدئية صادرة عن مجلس النواب الروسي يوم الثلاثاء الماضي. وقد لا تكون هذه هي الكلمة الأخيرة لدى موسكو، ولكنها تعكس ميل النخبة السياسية الروسية نحو المزيد من العزلة الذاتية.
ويقترح مشروع القانون الروسي الجديد، الذي يحظى بدعم من رؤساء مجلسي النواب والشيوخ في البرلمان الروسي إلى جانب زعماء جميع الفصائل السياسية الأخرى في البرلمان، فرض عقوبة تصل إلى أربع سنوات في السجن لتطبيق أي عقوبات أجنبية بصورة تقيد مقدرة المواطنين أو الكيانات الروسية على أداء العمليات الاقتصادية الاعتيادية أو إبرام الصفقات التجارية العادية. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت وحلفاؤها العقوبات على روسيا في بادئ الأمر رداً على عدوانها العسكري على أوكرانيا في عام 2014. وفي البداية، ركزت العقوبات الدولية على حظر السفر وتجميد الأصول، ولكن تم تعزيزها فيما بعد بشكل تدريجي لتقييد الاقتراض، وحق الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية على الشركات التابعة للحكومة الروسية، والحيلولة تماماً دون إمكانية وصول بعض الشركات المقربة من الكرملين إلى إبرام الصفقات التجارية مع الولايات المتحدة. ويمكن أن تتعرض المزيد من الشركات الروسية للضرر عبر جولة جديدة من العقوبات.
ومع اعتبار أهمية رعاة مشروع القانون الجديد، فمن المرجح أن يتحول في خاتمة المطاف إلى قانون ساري النفاذ والمفعول، ولكن ربما يأتي ذلك مع بعض التعديلات التي يقترحها الكرملين. وتعتبر البنوك العملاقة الخاضعة لسيطرة الحكومة الروسية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الروسي والنظام المالي في البلاد - بنك (سبيربنك) وبنك (في تي بي) - من بين الاستثناءات الواضحة، إذ إنها لا تملك فروعاً في شبه جزيرة القرم. وفي حين أن كلا البنكين يخضع للعقوبات الأميركية والأوروبية التي تحد من قدرتهما على الاقتراض في الأسواق المالية الغربية، فإن العمل في شبه جزيرة القرم سوف يعرض هذين البنكين إلى مصادرة الأصول والدخول في وضعية الإقصاء التام.
قال هيرمان غريف المدير التنفيذي لبنك (سبيربنك) في عام 2017 بشأن قراره بالابتعاد تماماً عن شبه جزيرة القرم: «يمكنك تصور تكلفة هذه المسألة بالنسبة إلى (سبيربنك)، وبالنسبة للنظام المالي في البلاد، وللتنافسية الروسية في الأسواق العالمية كذلك. وليست هناك من خطة تسمح لنا بالعمل هناك من دون أن نتعرض للحزمة الكاملة من العقوبات الاقتصادية».
وسجن السيد غريف لمدة أربع سنوات ليس المقصد الأول لدى المشرعين الروس أو لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. إذ يقول إناتولي أكساكوف رئيس اللجنة البرلمانية للأسواق الروسية، إن البنوك الحكومية الكبيرة لن تتأثر بالقانون الجديد. وهذا يمهد المجال أيضا إما للتعديلات التي تحدد الاستثناءات أو، كما هو محتمل، للممارسة الروسية العريقة من التطبيق الانتقائي.
إذ يمكن تطبيق القانون الجديد، على سبيل المثال، على المديرين التنفيذيين للشركات الأجنبية العاملة في روسيا، الذين يرفضون التعامل مع الشركات الخاضعة للعقوبات الغربية (بما في ذلك كثير من الصناعات الدفاعية الروسية) أو الدخول في مشروعات أو عملاء من شبه جزيرة القرم. وجاء رد فعل شركة سيمنز الألمانية، التي تنتهي توربينات خط الغاز الطبيعي التابع لها في شبه جزيرة القرم العام الماضي، بالقتال المرير في ساحات المحاكم، والانسحاب من المشروع الروسي المشترك، وإيقاف إمدادات معدات الطاقة إلى روسيا. ومن المرجح أن يكون مديرو الشركة من الأهداف الواضحة للقانون الجديد. ويمكن أن تتأثر شركة عملاقة مثل إكسون موبيل، التي ألغت بالفعل بعض المشروعات في روسيا بسبب العقوبات المفروضة على الرغم من حفاظها على وجود قوي في البلاد حتى الآن.
وإجمالا للقول، يستهدف مشروع القانون الروسي أي شركة متعددة الجنسيات يتم تقييد أنشطتها وأعمالها في روسيا بسبب العقوبات الغربية. وهذه من الضربات القوية المحتملة للاستثمار في روسيا حتى مع رغبة الحكومة الأميركية في فرض القيود التي تلحق المزيد من الأضرار بالشركات الروسية؛ إذ أصبحت شركة الألمونيوم العملاقة روسال مهددة بفقدان أعمالها في الولايات المتحدة، التي شكلت نسبة 14.4 في المائة من إجمالي إيرادات الشركة في العام الماضي.
وقال بنك غولدمان ساكس في تقريره الصادر الأسبوع الماضي: «يمكن ملاحظة تأثير العقوبات الاقتصادية كمثل انهيار شركة يوكوس الروسية»، في إشارة إلى استحواذ الحكومة الروسية على أكبر شركة نفطية في البلاد في عام 2000. «لقد أسفرت صدمة شركة يوكوس عن تباطؤ كبير في النشاط، وفي النشاط الاستثماري على وجه التحديد». وتوقع بنك مورغان ستانلي الأميركي أن العقوبات من شأنها «تقليل استثمارات القطاع الخاص وزيادة تكاليف المخاطر». ولقد خفض البنكان الأميركيان من توقعات النمو الروسي لعام 2018 الحالي بواقع 1.8 في المائة انخفاضاً من نسبة 2.3 في المائة المسجلة سابقاً.
ولقد ارتفع الناتج الاقتصادي الروسي بواقع 1.3 نقطة مئوية في الربع الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وتدور توقعات بلومبيرغ حول تكوين رأس المال الإجمالي - الاستثمار مطروحاً منه التخلص من الأصول - للانخفاض بواقع 3.2 في المائة خلال العام الحالي من واقع 7.5 نقطة مئوية في عام 2017 الماضي. فإن كانت الحكومة الروسية مهتمة فعلا بالاقتصاد الوطني، فليس هذا بالوقت المناسب أبداً لإبلاغ المستثمرين باحتمال تعرضهم للملاحقة القضائية، ثم السجن مدة أربع سنوات حال تطبيقهم للعقوبات الغربية المفروضة على روسيا. ولذلك فإن استجابة بوتين لمشروع قانون مكافحة العقوبات الغربية الجديدة سيعد اختباراً لمعرفة ما إذا كانت أولوياته سوف تنحاز إلى الاقتصاد الوطني خلال فترة ولايته الرابعة على رأس السلطة في البلاد.
وتشير العلامات الأولية إلى أن الأولويات الرئاسية الروسية لن تشهد تغييراً كما كانت خلال الأعوام الستة الماضية. ويبدو أن الحكومة الروسية الجديدة، التي يعمل رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف على تشكيلها حالياً، تشبه كثيراً الحكومة السابقة. يأمل الليبراليون في النظام الروسي أن يحصل وزير المالية الأسبق أليكسي كودرين على منصب كبير في الحكومة الجديدة أو ضمن فريق العمل الرئاسي المرافق للسيد بوتين. وبدلا من ذلك، فلقد قبل عرضاً كي يترأس غرفة المحاسبة الوطنية، وهي الجهة المعنية بضمان الامتثال للميزانية وهي من الوظائف الهامشية في عملية صناعة القرار الاقتصادي في البلاد. وفي يوم الثلاثاء الماضي، شهد الرئيس بوتين حفل افتتاح الجسر الجديد الرابط بين البر الروسي الرئيسي وبين شبه جزيرة القرم، في إشارة واضحة على التزامه الأكيد بضم واندماج شبه الجزيرة الملحق حديثاً بالوطن الأم في روسيا.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة