جميلة حلفيشي
إعلامية وناقدة مغربية متخصصة في شؤون الموضة
TT

ألف مبروك.. سوزي منكيس

أجمل ما قامت به منظمة الموضة البريطانية هذا الشهر تكريم محررة الأزياء المخضرمة سوزي منكيس في حفل توزيع جوائز الموضة لعام 2013. هذا الحدث، وعلى الرغم من أنه بمثابة حفل الأوسكار في أهميته وبريقه، لم تثرني الدعوة إليه كثيرا، إلى أن وقع بصري على خبر تكريم سوزي منكس. هذه الأخيرة، لمن لم يسمع بها من قبل، هي محررة أزياء من العيار الثقيل، لا تقل أهمية عن آنا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ» النسخة الأميركية من حيث تأثيرها. الفرق أنها عملت طوال حياتها في صحف جادة، مثل «تايمز» ثم «هيرالد تريبيون» التي أصبحت تعرف حاليا باسم «إنترناشيونال نيويورك تايمز».
لمدة 25 عاما كانت القلم الذي يشرِّح الموضة ويأخذنا بين دهاليزها بطريقة موضوعية لا تتوخى إرضاء أي جهة، سوى ضميرها المهني ومسؤوليتها تجاه قرائها، مما أكسبها ثقة القراء وصناع الموضة على حد سواء.
وعلى الرغم من أن اسم سوزي منكيس لا يثير مشاعر الإعجاب والرهبة نفسها التي تثيرها في نفوس المتخصصين في الموضة، فإن مظهرها، لا سيما تسريحة شعرها التي تتميز بغرة ملفوفة إلى أعلى بشكل شبه كاريكاتيري لا بد أن تشد نظر أي واحد تقع عليها عيناه. أعترف أن التفكه كان أول شعور اعتراني، عندما رأيتها لأول مرة في عرض «ديور» بباريس منذ أكثر من 10 سنوات. اعتقدت في البداية أنها واحدة من الاستعراضيات المتعطشات للفت الانتباه، لا سيما أنني في تلك الفترة، كنت مثل كثير من المتابعين للموضة، أربط مظهر محررة أزياء بمظهر عارضة رشيقة يجب أن تكون في غاية الأناقة من رأسها إلى أخمص قدميها، وهو الأمر الذي لم ينطبق عليها. في اليوم التالي، وبمحض الصدفة، قرأت تحليلها ونقدها للعرض الذي حضرناه معا، ومنذ ذلك العهد، أدمنت كتاباتها، وبدأت أراقبها بإعجاب في كل محفل نكون موجودين فيه معا. كنت أعجب دائما بديناميكيتها وحيويتها وهي تجري من مكان إلى آخر، تسأل هذا وتحاور ذاك من دون كلل أو تعب عوض أن تجلس مثل غيرها في الصفوف الأمامية حتى تتيح للمصورين التقاط صورها. لم تهدأ حركتها حتى بعد أن تجاوزت الـ60، بل على العكس زادت خبرتها وقدراتها وعطاءاتها. السبب، كما تقول، يعود إلى أنها لا تزال تعشق الموضة تماما كما عشقتها حين كانت طالبة في جامعة كمبردج، وقفزت من سور الجامعة ليلا لتركب قطار الساعة الرابعة صباحا متوجهة إلى لندن لتعود في الظهر قبل أن يلحظ أحد غيابها. كان سبب هذا التمرد رغبة جامحة لشراء حذاء من «كوريج» كانت قد رأته على صفحات مجلة. في مرة أخرى، تقمصت شخصية منظفة لكي تدخل عرض «شانيل». وبالفعل بدأت في تنظيف القاعة في الفجر، ثم انزوت في ركن بعيد عن الأنظار حتى بدأ الضيوف بدخول القاعة، لترمي ملابسها كمنظفة، وتجلس بينهم تتابع العرض. كانت مسكونة بهذا العالم، ولحسن الحظ أن هذا العالم ما لبث أن بادلها الحب نفسه، إضافة إلى الاحترام. فهي لم تتنازل إلى اليوم عن مبادئ تعلمتها حين عملت في صحيفة «تايمز» البريطانية، على رأسها عدم قبول هدايا من أحد، ورفض تام لثقافة محاباة المصممين حفاظا على الموضوعية التي تؤمن بها.
لهذا كله أصبحت قدوتي، أتوق إلى قلمها الرشيق وأسلوبها الموضوعي الذي أستشف من بين سطوره دراية عالية بأدق التفاصيل وشرح شافيا لسبب كل غرزة أو طية قام بها المصمم وموقعها من الإعراب من الناحية الفنية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.