ليس الهدف من المعرفة تحسين حياة الإنسان فقط بل التخفيف من مشاعر الإحباط واليأس العميقة التي جرفت هذا المجتمع أو ذاك، هذا الفرد أو ذاك، وجعلته بعيداً عما كان بإمكان أي منهما تحقيقه، وهذا بفضل المعرفة. لذلك فالمعرفة نوع من الأفيون مثلما هي نوع من المنبهات في آن، تجعلنا نتقبل مصائرنا التي صغناها ونحن مغمضو العيون.
ليست هذه المقدمة إلا لتبرير تغيير قناعتي السابقة بأن العراق لو تمكن من الاحتفاظ بنظامه الملكي المدني، لبلغ اليوم مصاف دول جنوب أوروبا مثل إسبانيا أو البرتغال، كما كان يتوقع بعض الخبراء.
واستحالة تحقق ذلك تعود إلى سبب جوهري لم يلتفت إليه المؤرخون كثيراً، فهم ركزوا على أمور ثانوية مثل إلغاء انتخابات عام 1953 أو دخول العراق في حلف بغداد، أو العلاقة الوطيدة بين العراق وبريطانيا.
هناك حقائق نتفاجأ بها: بين عامي 1921 و1958 تشكل في العراق ما يقرب من خمسين حكومة، وكان معظم رؤسائها من المدنيين الأكفاء أصحاب الشهادات العليا. في حساب بسيط: معدل تشكيل الوزارات يزيد قليلا على 1.5 في السنة، وأشك أن يكون هناك بلد تشكل فيه هذا العدد من الحكومات التي تساقطت الواحدة بعد الأخرى كأوراق الخريف، تحت أزمات سياسية حادة، فجرها الشارع السياسي بالدرجة الأولى.
بالمقابل لم يقم العراقيون بأي انتفاضة ضد العصا العثمانية الغليظة التي ظلت تحكمهم لأربعة قرون، وإذا كانت هناك انقلابات عسكرية فهي كانت في حقبة المماليك، حيث كانت إزاحة مملوك تتحقق على يد مملوك آخر وحيث الجنود العثمانيون هم أداة تنفيذ التغيير.
ومقارنة بذلك نجد أن المؤسس للدولة العراقية فيصل الأول الذي توج ملكاً على العراق عام 1921 كان من دون أي عصا، بل هو قال في مناسبة إنّ عدد البنادق بيد المدنيين خصوصاً أبناء العشائر أكثر مما تمتلكه الشرطة.
كيف تعامل المثقفون العراقيون معه على الرغم من كل ما يملكه من حكمة وصبر؟ معروف الرصافي كتب شعراً غير لائق ضد البلاط، ومع ذلك دعاه الملك فيصل وعاتبه عتاباً رقيقاً.
جرت صراعات سياسية دموية في العراق أدت إلى فتح الباب على سلسلة انقلابات عسكرية، وهذه بدورها عبدت الطريق لبروز مؤسس منظمة حنين السرية الدموية وانتزاعه الحكم بسهولة.
إلا أنّ الخطأ يتحمله الساسة البريطانيون، وهم ارتكبوا خطأين معاً: الأول يتمثل بجلب شخص إلى الحكم لا يقف وراءه حزب قوي أو تسنده عشيرة أو عالم دين كاريزماتي يتمتع بجماهيرية واسعة، كذلك هو لم يقض فترة قبل تتويجه في العراق كي تتصلب قناته ويبني أواصر قرابة جديدة مع مجتمع تشكل العشيرة عنصراً متجذراً فيه، ناهيك بقوة الموروثين الديني والمذهبي. يكتب ابن خلدون في مقدمته أن أي صاحب رسالة بحاجة إلى عائلة قوية كي يستطيع ضمان الحماية وإلا سيكون مخذولاً.
في ظروف بلد مثل العراق ينطبق قول ميكيافيلي حين يقول إنه ليس من الضروري أن يكون الحاكم محبوباً بل أن يكون مهاباً.
الخطأ الثاني هو اختيار النظام الديمقراطي الليبرالي المتبع في بريطانيا. هذا النظام جاء في بريطانيا ثمرة تطور تدريجي انتُزعت فيه السلطة خطوة خطوة لأكثر من قرنين، ورافقه ظهور النظام الرأسمالي الذي من مقتضياته تشغيل أعداد ضخمة من العمال، ووجود آلية قريبة في العمل وتنظيم النقابات إلى النظام الديمقراطي الليبرالي الذي برز كتحصيل حاصل. جاء الحكم التداولي بين حزبين بعد ترسخ الدولة وبدئها بأداء دورها الخدماتي للمجتمع دون تدخل الحاكم لا قبله.
إضافة إلى ذلك، كانت إقامة حكم برلماني حقيقي في بلد مثل العراق لا يزيد عدد طلاب مدارسه على مائتين (كما يذكر حنا بطاطو) عام 1921، ويزيد عدد أبناء العشائر المقيمين في الريف على أبناء المدن بنسبة كبيرة، تحوِّل أي ممارسة لحكم ديمقراطي ليبرالي (بوجود عاصفة ثورة أكتوبر/ تشرين الأول في الخلفية) إلى عمل دونكيشوتي أقرب إلى المستحيل.
لقد ظل نوري السعيد العصا الغليظة الوحيدة التي كان البلاط يعيدها لرئاسة الحكومة كلما اقترب الحكم الملكي المدني من حالة الفوضى والانهيار، فيبدأ بمناوراته ولي العضلات هنا وهناك وتقديم المغريات هنا وهناك، لإعادة الحياة السياسية إلى قدر من الاستقرار. لكن نوري السعيد لم يكن يملك نفوذاً حقيقياً، فهو لا يملك حزباً عقائدياً ولا عشيرة قوية، ولم يسعَ إلى كسب طائفة ما على حساب طائفة أخرى. والطريف بالأمر أن من كان يؤيده بالدرجة الأولى هو شيوخ العشائر الشيعة.
لقد استمر الأمر في العراق أن المنتصر هو الذي يحدد اتجاه البشاعة.
9:48 دقيقه
TT
العراق... تاريخ من تراجيديا إغريقية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
