مشكلة الدخول والخروج

مشكلة الدخول والخروج

الثلاثاء - 28 جمادى الأولى 1439 هـ - 13 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14322]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
من مشاكل عالمنا المعاصر، شرقاً وغرباً، مشكلة الدخول أو الخروج. تكاد تكون أصعب من الحصول على وظيفة. كذا كان الأمر في عراق صدام حسين. كلا يا سيدي، قلت لنفسي. وصولك إلى المطار لا يعني خروجك بسلام. هناك في بهو المطار وجدت نفسي بين شلة من الضيوف الأجانب الذين حضروا مثلي لمهرجان المربد. تقدم مسؤول جوازات السفر وطلب من الجميع تسليم جوازات سفرهم لمعاملتها وختمها. أخذها منا وبعد دقائق قليلة عاد بها مختومة ومصدقة. وراح يوزعها علينا، نادى بالأسماء واحداً تلو الآخر. ميشيل معروف، بيتر جريكس، جوزيف تروشنك.... إلى آخرهم. صافحهم وسلمهم جوازات سفرهم حتى خلت يداه من أي جواز.
«أخي وأنا؟»، سألته: وين جواز سفري؟ أجابني بخشونة: «منو أنت؟ إش اسمك إنت»؟ قلت خالد القشطيني. قال: «ئي نعم. سيد قشطيني. الضابط يريدك. الجواز عنده».
غريب كيف يمكن للإنسان أن يتلقى الشدائد ولا ينهار قلبه. ضابط الأمن يريد يشوفني! وما زلت واقفاً على قدمي. قال: «تفضل الحقني للضابط». مشيت وراءه كالحمل الوديع. كل الحاضرين تسلموا جوازات سفرهم إلا أنا! رحت وراءه أتأمل فيما عسى أن يحصل لي. سجن؟ اعتقال! إعدام؟
دخلت غرفة الضابط المليئة بالدخان واستكانات الشاي. وكان الضابط منشغلاً بكومة من الأوراق وجوازات السفر. لم يرفع رأسه ليعاينني. لا يبشر ذلك بخير. انتظرت دقيقتين ثم تنحنحت: تسمح سيدي جواز سفري! قال: منو إنت؟ قلت: خالد القشطيني.
فجأة نهض الرجل من مكانه بما أوحى لي بأنه سيختصر الطريق وينفذ عقوبة الإعدام فوراً بمسدسه المربوط بحزامه. نهض وأسرع نحوي بخطوات ألقت الرعب في قلبي. أسرع نحوي بخفة ولكنه خطفني بذراعيه وراح يغمرني بالقبل والعناق.
«ابن القشطيني، ابن محلتنا، ابن سوق الجديد. أول ما شفت هذا الجواز وقريت الاسم قلت مستحيل أخليك تمر من هنا قبل ما أشوفك وأبوسك. إنت مفخرة لكلنا». تصورت أنه يقصد بكلنا مفخرة للعراق وكل العراقيين، ولكنه أردف فأضاف «مفخرة لكل أولاد طرفنا، سوق الجديد وصوب الكرخ. أنا أقرأ زاويتك كل يوم في («الشرق الأوسط»).
يا «ولد!» نادى بأعلى صوته: «جيب شاي لأستاذنا القشطيني. ما أخليه يمر منا مثل الأجانب والغرباء. لازم يشرب شاي معي».
بالطبع أنا قبلته، وعيني على جواز السفر، أكثر مما قبلني. اعتذرت عن شرب الشاي معه وأخذت الجواز شاكراً ألف شكر ورحت أجري نحو طائرة الخطوط الجوية العراقية ولساني يتمتم بالحمد والشكر لله: «يا ربي عجّل بسفر الطيارة قبل ما توصل أوامر جديدة لحضرة الضابط باعتقال ابن محلتنا».
«داخلها مفقود وخارجها مولود» شعرت بالفعل كمن ولد تواً في الساعة. ما انطلقت بنا حتى رحت أعاين من شباكها. نعم تركت منائر بغداد وراءنا، وهذا نهر الفرات وبادية الشام وأنا أراقب وأحاسب حتى رأيت زرقة البحر المتوسط تحتنا فتنفست الصعداء.

التعليقات

محمد العريبي
البلد: 
العراق
13/02/2018 - 05:32

بارك الله بكم واعطاكم العمر المديد ووفق الله صحيفة العرب الاولى استمر بفضح نظام صدام حسين فانت علم وشهادة ولا يرقى لها الشك وكانوا شاغلينا بانه وقف ضد الفرس المجوس والحمد لله انت الى الان عايش ولم يمسك سوء من النظام القمعي الشوفيني

فريال موسي
البلد: 
مصر
13/02/2018 - 08:41

حضرتك وحسب مقالاتك التي اتابعها دخلت وخرجت من العراق اكثر من مرة ولم يتعرض لك النظام او تسجن ليوم واحد واعتقد لو كان نظام صدام حسن يعاديك او يعتبرم معارض ماكان سمح لك بالدخول الي العراق والمشاركة في المؤتمرات ومن قبل تكليفك بترجة خطابات صدام حسين , لاافهم التناقض

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
13/02/2018 - 10:07

استاذ خالد القشطينى
حمدا لله على سلامتك عندك حق تقلق من هذا الموقف المثير للدهشة خاصة وسط الظروف الحالية التى تمر بها العراق واعتقد ان هذه هى المرة الاولى التى شعرت فيها بانك غريب عن العراق مسقط راسك كما لم تعرف لحجب جواز سفرك سببا ترى هل انت مسجل على قائمة الانتظار ومطلوب القبض عليك عند وصولك الى ارض العراق ومن الذى اصدر مثل هذا الامر؟ هل هناك اتهام قديم منسوب اليك يستوجب القبض عليك وتقديمك للمحاكمة ؟ واسئلة كثيرة حتما دارت بذهنك ولم تعد تعرف مصيرك وما اذا كنت ستغادر العراق لتعود الى لندن حيث تقيم ام انك ستودع السجن دون معرفة السبب , هل النظام الحالى فى العراق يعتبرك من اعدائه ولذلك امر بالقبض عليك واحتجازك ؟ ومن الذى سيدافع عنك الآن بعد ان اصبحت بلا هوية ؟ لاشك انك مررت بفترة فى غاية الصعوبة جعلتك تندم على انك زرت وطنك الاصلى العراق

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
13/02/2018 - 10:17

" ... وهذا نهر الفرات وبادية الشام وأنا أراقب وأحاسب حتى رأيت زرقة البحر ..."

لا ألومك يا سيدي على تأخير الصعداء حتى بلوغ البحر ، فحَول الفرات و في بادية الشام صدام آخر و لا يمكن للمرء أن يتنبأ بما يمكن أن تأتي به "الأوامر" فوق تلك الأرض و لو كان في أعالي الجو !

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
13/02/2018 - 11:55

سبحانك ربي،قصتك مع نظام البعث مؤلمة جدا يا أستاذ خالد،وقصتك هذه تذكرني بقصص كثيرة ،وهي قريبة الي قصة الدكتور الصومالي الذي خرج من الصومال في الثمانينات ببعثة دراسية ليحضر الدكتورا في جامعة أبسالا العريقة.قال محمد:عندما طارت الطائر من مطار مقديشوا نظرت من الجو الي ارض مقديشوا الجميل وقلت إن شاء الله لن أعود الي هذا الوطن الذي إختطفته فئة معينة"هكذا كانت دعاءه،والي يومنا لم يرجع الي الصومال،درس وأخذ الدكتوراء في الصيدلة،وعمل في نفس المدينة وفي نفس التخصص.والأستاذ القشطيني ختم مقاله قائلا :نعم تركت منائر بغداد وراءنا، وهذا نهر الفرات وبادية الشام وأنا أراقب وأحاسب حتى رأيت زرقة البحر المتوسط تحتنا فتنفست الصعداء.

صورة alzaidiabbas@yahoo.com
13/02/2018 - 14:09

وفقكم الله يا أيها القشطيني الكبير. نحن في انتضار مؤلفاتكم الجديدة وجمع مقالاتك اجمع في كتاب مستقل بمشيئة الله تعالى. ادام الله عمركم أيها الكاتب الكبير.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة