السفر أفسد طعم الشوكولاتة

السفر أفسد طعم الشوكولاتة

الأربعاء - 1 جمادى الأولى 1439 هـ - 17 يناير 2018 مـ رقم العدد [14295]
جوسلين إيليا
إعلامية وصحافية لبنانية عملت مقدمة تلفزيونية لعدة سنوات في لندن وبيروت، متخصصة في مجال السياحة.
شاهدت أخيراً العمل الجديد للعرض العالمي «سيرك دو سولاي» المعروف بروعة ما يقدمه من موسيقى ورقص ولياقة بدنية لأبطال يقومون بالمشي على الحبال ويطيرون كالفراشات في قالب مسرحي جميل يحكي قصة معينة، والعمل الحالي الذي يعرض في «رويال ألبرت هول»، المسرح الأجمل في لندن، يحمل اسم «أوفو»، وتدور أحداثه في الطبيعة، ويحكي قصة الحشرات التي يقوم بتأدية أدوارها مبدعون حقيقيون.

وعلى الرغم من روعة بعض المشاهد التي قُدمت على مدى ساعتين من الزمن، عندما انتهى العرض بدأتُ تلقائياً بمقارنته بالعروض السابقة وتأففت بعض الشيء ولم أشعر بما أحسست به في أول مرة شاهدت فيها العرض منذ سنوات عديدة في لندن ولاس فيغاس. والسبب أو العيب، وللأمانة، ليس في العرض، إنما العيب فينا نحن البشر لأننا نعيش في عصر «كل ما هو متوفر».

السفر والعولمة أفسدا البهجة الحقيقية وعنصر الانبهار، ففي الماضي لم يكن متوفراً رؤية مثل تلك العروض، أما اليوم فبمجرد الضغط على زر الحاسوب تدخل فيما هو أشبه بصندوق العجائب، هناك من يعتمد اليوم على المقاطع المسجلة على «يوتيوب» لقص شعره أو التبرج أو تصليح الغسالة... فعنصر الرغبة اختفى، والسبب أننا أصبحنا متطلبين، ومن الصعب إرضاؤنا.

أذكر عندما كنت فتاة صغيرة تعيش في بيروت، كنت أعتقد أن مذاق الشوكولاتة محلية الصنع في بلادي هو الألذ، وعندما سافرت للعيش والاستقرار في لندن كنت أشتاق إلى مذاق تلك الشوكولاتة المحشوة بالفاكهة، وفي كل مرة كان يأتي أحد أفراد عائلتي لزيارتي كنت أطلب منهم تلك الشوكولاتة، إلى أن سافرت إلى بلاد الشوكولاتة وزرت أفخم وأهم مصانعها في سويسرا وثقّفت نفسي وذائقتي بأصولها فلم أعد أستطيع أكل الشوكولاتة التي ظننت كل تلك السنين أنها الألذ، ولو أنها لا تزال الأفضل لأسباب شخصية تحاكي نوستالجيا الغربة وتذكرني بطفولتي ومتصلة بالكثير من الذكريات الجميلة.

في الماضي كان للسفر رونقه ولم يكن متوفراً للجميع، أما اليوم وبحكم وجود العديد من شركات الطيران وتوفر الاقتصادي منها، لم تعد السياحة حكراً على الميسورين فجرفت هي الأخرى معها عنصر المفاجأة.

وهذا ما حصل تماماً عندما انتهى العرض في المسرح وشعرت بأنني لم أنتشِ من لذة الفن واللوحات الرائعة التي يصعب على غير المتمرسين والمحترفين تأديتها، وقد يكون رأيي في العرض مجحفاً، ولكنها الحقيقة القاسية التي نعيش في كنفها التي تجعلنا جشعين ومتطلبين ولا يعجبنا ما هو تقليدي وما رأته أعيننا من ذي قبل.

في الماضي كنا نحلم برؤية بلد جديد، أما اليوم فنحن نسافر بواسطة عدسات وهواتف الآخرين الجوالة، نأكل بعيننا لا بفمنا، ولا نتذوق ولا نشمّ بل نرى ونعبّر عن إعجابنا إلى أن نشعر بالشبع الإلكتروني.

كم حزنت على نفسي عندما تجمع الممثلون والمؤدون في عرض «سيرك دو سولاي» لإلقاء التحية الأخيرة، لأنني لم أكن الوحيدة التي صفقت من دون حماس، فضعف معدل مستوى التصفيق في المبنى العملاق كان خير دليل على أن الناس ملّوا من الوفرة. وحتى الأطفال سُلب منهم الحماس وغابت من مخيلتهم القصص التي وضعوا لها نهايات تتناغم مع أحلامهم.

في النهاية، يقع العتب على التكنولوجيا التي وهبتنا الكثير ولكن ليس بالمجان، لأنها أجبرتنا على دفع ضريبة باهظة الثمن عبثت بذهننا وتفكيرنا وحوّلتنا إلى عبيد لها لا يتحكم بنا إلا ذبذباتها، فسرقت منا المفاجأة والعفوية والتشوق لرؤية شيء جديد، لأنه في الحقيقة لم يعد هناك ما هو جديد، حتى مذاق الشوكولاتة لم يعد على حاله... فيا ليتني لم أتذوق غير شوكولاتة بلادي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة