لم يتأخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وضع وعده الانتخابي قيد التنفيذ، فأعلن قرار واشنطن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وجاء الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل حاملاً بعض الالتباس عندما تحدث عن «الأمر الواقع»، فالقدس منذ عام 1967 تحت الاحتلال، والحاكم العسكري الإسرائيلي هو الآمر الناهي. لكن ما ذهب إليه الرئيس ترمب له تداعيات لما فيه من تجاهل للشرعية الدولية، وهذا ما أثار امتعاضاً ورفضاً غربياً، إلى جانب ما أثاره القرار من غضبٍ في العالمين العربي والإسلامي.
قرار الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، بدا مع الرئيس ترمب وكأنه يتحدث عن القدس الغربية، لكن توضيحات نائب الرئيس مايك بنس، الذي سيجول قريباً في المنطقة، قالت بالقدس الموحدة عاصمة أبدية لدولة الاحتلال فاختلف الأمر، ليبدو وكأنه يلاقي الحلم السري لإسرائيل وهو تشريع الستاتيكو الراهن؛ ما يعني بالعملي تشريع الاحتلال الإسرائيلي للقدس. القرار في توقيته يهدد بتغذية التطرف، وتحديداً من جانب محور طهران؛ لتشهد المنطقة إطلاق لغة تخوين ومصادرة ممانعتية للرأي الآخر، وخاصة أن الكل يعلم أن هذه اللغة لن تفيد القدس ولن تستعيدها؛ لأن هم استعادة القدس لم يكن يوماً عند هؤلاء.
السؤال اليوم: ما هو الرد الحقيقي، أو الردود، دفاعاً عن الحق الفلسطيني الثابت في مدينة المقدسات المسيحية والإسلامية، وكي لا تبقى الساحة مفتوحة للمتطرفين والخطوات العشوائية، التي يراهن عليها نتنياهو وكل صقور إسرائيل؟
الغليان في الشارع الفلسطيني، يفترض مواكبة جدية من السلطة، المدعوة إلى نوع من المراجعة الجادة لكل هيئاتها كفاءة وأهلية وتمثيلاً فعلياً بديلاً عن المحاصصة السائدة، وهو وضع لا طبيعي في أكثر الأمكنة تفجراً؛ إذ إنه معروف على نطاق واسع أن كثيرين من القابضين على القرار الفلسطيني يجمع بينهم قلة الكفاءة إلى سلبيات أخرى لا مجال لتعدادها، وبعد ذلك من الضروري الذهاب إلى قراءة متأنية لمسيرة أوسلو بإيجابياتها وسلبياتها، بعدما كان ذلك الاتفاق قد أجّل البت إلى الوضع النهائي قضايا القدس والمستوطنات واللاجئين والحدود... والهدف تلمس رؤيا لما يمكن أن يكون عليه هذا الحل النهائي، أي وضع بوصلة توضّح المسار وتصححه.
بمعنى آخر، إلى أي مدى ما زال خيار حل الدولتين هو الأجدى وهو الهدف؟ وهو الحل الذي تصرُّ عليه السلطة الفلسطينية، وتدعمه القمة العربية والأمم المتحدة والدول الكبرى، وإلى أي مدى ما زال ممكناً أن تقوم دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وغزة سجن كبير والمستوطنات تنبت في الضفة كالفطر؟
منذ عقدين من الزمن أنهت إسرائيل اتفاق أوسلو، إنْ عبر الاستيطان الكثيف أو سياسة تهويد القدس، وهذا كان يتم تحت أعين المجتمع الدولي ومجلس الأمن والتغاضي الأميركي. هذا الأمر معروف وإن كان أصحاب القرار المقاتلون من أجل حلِّ الدولتين، وهو الأقرب إلى المنطق، تجاهلوا جوانب مدمرة من أجل إبقاء قضية الحل النهائي في التداول، فماذا يمكن أن يكون الوضع عليه اليوم لو أن الفلسطينيين قدموا إلى جانب حل الدولتين، خياراً ثانياً، خيار الدولة الواحدة الديمقراطية على كامل الأراضي التاريخية لفلسطين، أي خيار دولة المساواة بين المواطنين، العرب واليهود، ومعروف أن هذا الخيار لم يغب عن الكثير من الأدبيات الفلسطينية كما الجهات الفلسطينية كما بعض الأوساط الإسرائيلية على حدٍ سواء.
على طريق الجلجلة الفلسطينية يكون مفيداً اعتماد الخيار الذي يرى فيه أصحاب القضية مصالحهم، آن الأوان للتوجه إلى كل المحافل الدولية من أمم متحدة ومحكمة العدل الدولية وسوى ذلك، لمواجهة السياسات الإسرائيلية العنصرية، ولمواجهة ساسة وعسكريين عنصريين، وهذا المنحى يكون فاعلاً ومؤثراً بقدر ما يستند إلى المقاومة المدنية للشارع الفلسطيني، ربما على شكلٍ من ثورة حجارة جديدة، قدمت المواجهات المتكررة حول المسجد الأقصى أكثر من صورة ودليل عن إمكانية العودة إليها، والتاريخ يعلمنا أن الشعب الفلسطيني لم يسعَ لنيل موافقة أحد عندما فجّر انتفاضة الحجارة، ودفع الكثير ثمناً للقرار الفلسطيني المستقل، مع وضوح وحِرص في محاذرة الاستدراج الإسرائيلي لأي مواجهة تمنح العدو فرصة استخدام قوته العسكرية الغاشمة، بحيث تكون متوفرة قدرة الشارع على تحمل العسف الإسرائيلي المتوقع.
هذا التطور الدراماتيكي في المسألة الفلسطينية، يتم في ظروف عربية أقل ما توصف به أنها رمادية، نتيجة ممارسات نظام طهران الذي تسبب بزعزعة استقرار المنطقة، وانهيار دول المشرق العربي في سوريا والعراق، وانفلات الإرهاب يحاصر الكثير من دولنا ويشلها... ووحدها حركة الشارع الفلسطيني قد توفر رافعة بسيطة تدق ناقوس الخطر في شوارع بغداد وسوريا ولبنان واليمن وسواها، وربما توفر مجتمعة، مع الدور المرتجى للقيادة الفلسطينية، الضغوط لفتح كوّة ضوء في جدار تحسين التسوية التي يتردد أن الإدارة الأميركية تريدها، بحيث لا يتقرر مسبقاً ومن جانب طرفٍ واحد مصير القدس، زهرة المدائن وعاصمة فلسطين.
8:40 دقيقه
TT
من أجل فلسطين
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
