حماية المسار الإصلاحي

حماية المسار الإصلاحي

الأربعاء - 28 محرم 1439 هـ - 18 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14204]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
أبدأ بما كتبه د. صالح زياد أوائل هذا الشهر في إحدى الصحف السعودية، وفحواه أن مشروع التجديد الاقتصادي والاجتماعي الذي تتبناه المملكة العربية السعودية حالياً، في حاجة ماسة إلى إطار ثقافي يعيد صياغة الوعي الشعبي، على نحو متناغم مع الاستهدافات الفورية والبعيدة المدى لمشروع التجديد.
هذا الحديث للدكتور زياد، وهو من الوجوه البارزة في المشهد الفكري السعودي، يشير إلى نقاش يتسع بالتدريج، حول الانعكاسات المتوقعة لبرنامج التحول الوطني 2020 ورؤية المملكة 2030.
تضمنت رؤية المملكة 2030 حقيبة مشروعات، سيؤدي تطبيقها إلى تحول عميق في النظام الاقتصادي للمملكة وأنماط المعيشة لمعظم سكانها. سنغض الطرف هنا عن تشكك المتشائمين في قدرة المجتمع السعودي على إنجاز تحول بذلك الحجم، لأن عدد المشروعات ونوعيتها التي دخلت طور التنفيذ أو انتقلت من مرحلة القرار إلى التصميم، برهان على أننا لن نعجز عما قدر عليه الآخرون. في كل الأحول فإن إنجاز نسبة كبيرة من مشروعات الرؤية، سوف يقود دون شك إلى التحول المشار إليه.
معروف بين دارسي التنمية أن التحولات الواسعة في الاقتصاد ونظم المعيشة، تفرز - بالضرورة - تحولات موازية في الثقافة والقيم الناظمة للحراك الاجتماعي، إضافة إلى التراتب الاجتماعي وأدوار الأفراد.
سنبدأ بطبيعة الحال بتجربتنا الخاصة، سيما خطط التنمية السابقة، التي قدمت دروساً كثيرة وجديرة بالتأمل، في طبيعة الحراك الاجتماعي ومساراته. خلال الفترة من 1971 حتى 1985 تبنت المملكة ثلاث خطط للتنمية الاقتصادية، أثمرت عن تحول عميق في الاقتصاد ومصادر المعيشة، فضلاً عن الثقافة العامة. ونستطيع اليوم معرفة الجانب الأعظم مما جرى على الجبهة الاقتصادية، نستطيع معرفة الإنجازات والإخفاقات، لأن التركيز على الاقتصاد حوله من موضوع مبهم وعفوي، إلى منظومة معطيات رقمية قابلة للدراسة والتقييم.
لكننا لا نعلم على وجه الدقة ما جرى على حاشية التنمية الاقتصادية الباهرة، من تحولات اجتماعية وثقافية. بمعنى أننا لا نملك معطيات رقمية وإحصائية مناسبة، تساعدنا على تفسير العلاقة بين التحول الاقتصادي والظواهر الثقافية الاجتماعية التي شهدتها البلاد في تلك الفترة وما بعدها. لا نعلم - على سبيل المثال - لماذا تضاعف عدد طلبة التخصصات الأدبية والدينية في تلك المرحلة، بشكل يتجاوز كثيراً التخصصات العلمية، التي يفترض أن تكون محور التنمية. ولا نستطيع تفسير العلاقة بين تراجع الاقتصاد في النصف الثاني من الثمانينات، وبين الانتشار المفاجئ للتشدد الديني. ولا نعرف لماذا لم يستطع المجتمع السعودي استنباط حلول فعالة لمشكلاته المعيشية، عدا تلك التي تقوم بها الدولة.
هذه التساؤلات وأمثالها تسلط الضوء على حقيقة أننا، في التجربة السابقة، وضعنا كل الثقل في الجانب الاقتصادي، وأهملنا ما ينتج عنه من تحولات غير اقتصادية. بديهي أن المقصود هنا ليس «أدوات عرض الثقافة» كالمدرسة والكتاب والمنبر والتلفزيون، بل جوهر الخطاب الثقافي، أي فلسفته واستهدافاته، ومنظومات القيم والتقاليد الجديدة التي تدعم مشروع الإصلاح وأهدافه، وتحميه من التحوير والاختطاف، أو تستثمره في أهداف أيديولوجية خاصة. الخطاب الذي يجعل المجتمع كله شريكاً في مشروع الإصلاح وحامياً له وقائماً عليه.
نعرف من تجربة البشرية أن الاقتصاد محرك عظيم للتطور. ونعرف أيضاً أن استدامة التطور يعتمد كلياً على تفاعل المجتمع ومشاركته.

التعليقات

د. علي الغامدي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
18/10/2017 - 09:05

مقال ممتاز وعميق وموضوعي ويضع النقاط على الحروف ويتطرق الى العلاقة بين خطط التنمية السابقة والتحولات الثقافية والاجتماعية التي حصلت في الجتع السعودي والتي لم تأخذ حقها من الاهتمام الذي استأثر به الجانب الاقتصادي .

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
18/10/2017 - 19:12

متى يقتنع الإنسان العربي دون أن تضطر الجهات المتأذية لفرض عقوبات على أفعاله المسيئة للمجتمع وللمشهد العام برمته . في بيوتنا نجعلها مكانا تشع منه النظافة والجمال والتنظيم في كل جنباته ونسعى إلى المزيد ما استطعنا ، ولكننا نتعامل مع الشارع و الأماكن العامة بقسوة منقطعة النظير والحقيقة أن ذلك لم يكن ليكون لو أن التطور الاقتصادي والتقني والعلمي الذي نعيشه منذ فترة ليست بالقليلة قد واكبه تطور في المفاهيم وسعة في الافق وتشجيع على الابتكار واقامة مسابقات فكرية . أما الواقع الذي يدمي القلب هو أن نجد من يمتلك قصرا ، أو سيارة فارهة ، أومن يقوم بسياحة حول العالم ولا تتغير منظومته الفكرية الموروثة منها، والمكتسبة من بقايا جهل وأنانية ، ولن تتكلم عن رجل ذي مظهر أنيق يبصق في الشارع بل عن صراع وقتل وتدمير بين الإنسان وذاته ، وإلا فما هي هذه التداعيات؟!

علي الحميضي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
18/10/2017 - 21:19

أعتقد أن طبيعة المرحلة الإنتقالية بين القرون الوسطى والعصر الحديث هو ما أدى إلى هذه الظاهرة وهي زيادة طلاب الدراسات النظرية في مقابل قلة طلاب الدراسات التطبيقية ، عزز ذلك التسهيلات غير المعقولة التي كانت تقدمها بعض الجامعات التي تدرس العلوم النظرية مثل فتح الباب للجميع للدراسة كل بحسب ظروفه"نظام الإنتساب الكلي أو الجزئي" والدراسة من المنزل بالنسبة للنساء فبإمكانك أن تحصل على درجة البكالوريوس في أي تخصص نظري وأنت على رأس عملك.. وبهذه الشهادة تفتح لك الأبواب المغلقة ويتشجع الآخرون ليحذوا حذوك ، وهو ما أدى لاحقا إلى نشوء ظاهرة ما كان الدكتور أحمد الضبيب رحمه الله يسميه "دكتوراه صيف" هذا هو سبب تضاعف طلاب التخصصات الأدبية والدينية بعيدا عن تراجع الإقتصاد أو أي متغبرات سياسية أو إجتماعية.. كان خطأ تنمويا دفع المجتمع ثمنه فيما بعد ولا يزال..

محمد المجراد
البلد: 
المملكة العربية السعودية
19/10/2017 - 05:58

بالفعل مقال قصير لكنه عميق وإن انتهى بتساؤلات عن إفرازات النقلة المفاجئة لمستوى وطريقة معيشة السعوديين منذ بداية التسعينات الهجرية تقريباً.وأتفق معه فهذه الإفرازات لازالت مؤثرة في كل شئون حياتنا وهي السبب الرئيسي في ميل الكثيرين للشك في نجاعة كل الخطط الاقتصادية الطموحة وأن بدت في غاية الجدوى والأهمية.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة