مأزق الاستفتاء الكردي

مأزق الاستفتاء الكردي

الجمعة - 2 محرم 1439 هـ - 22 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14178]
أمير طاهري
صحافيّ وكاتب ايرانيّ مثقّف لديه اهتمامات واسعة بشؤون الشّرق الاوسط والسّياسات الدّوليّة
ما أول شيء يجب القيام به إذا ما أقحمت نفسك في مأزق ما؟
الإجابة الواضحة هي: التوقف الفوري. وهذه هي النصيحة التي ينبغي أن يحظى بها أولئك المتورطون في ذلك المأزق المسمى الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، المقرر انعقاده الاثنين المقبل، والذي ما زال معلقاً حتى كتابة هذا المقال.
وفكرة إجراء الاستفتاء حول قضية مثيرة للجدل في هذا التوقيت، هي فكرة شاذة وغريبة على أدنى تقدير. فلم يكن هناك مطلب شعبي كبير لمثل هذا الإجراء. كما لا يمكن لمن أشاروا بهكذا فكرة أن يوضحوا أي مشكلة من مشكلات العراق الراهنة يمكن تسويتها من خلال هذا الاستفتاء. وبعبارة أخرى، فإن هذه الخطوة لا لزوم لها، من واقع مقولة عالم السياسة القديم شارل موريس تاليران، وما كان يعنيه أن فعل ما لا يلزم في عالم السياسة هو أسوأ بكثير من ارتكاب الأخطاء.
وإن كان مقصد أحدهم من وراء الاستقلال الكردي تأمين أدوات إقامة الدولة الكردية المستقلة، فإن المحافظات الثلاث المكونة لإقليم كردستان العراق لا ينقصها أي من هذه الأدوات؛ فهناك رئيس للإقليم، وهناك رئيس الوزراء، ومجلس الوزراء، والبرلمان المنتخب، والجيش، والشرطة، وحتى السفارات الافتراضية الممثلة للإقليم في مختلف العواصم الأجنبية الرئيسية. كما أن الإقليم يملك رمزيات الدول المستقلة ذات السيادة، من العلم الوطني والنشيد الوطني.
واستناداً إلى ما تقدم، لا يمكن للمرء إنكار رغبة الشعب الكردي في الاستقلال. ومن بعض الوجوه، حلم بعض الأكراد بالدولة المستقلة لما يربو على ألفي عام، عندما انطلق المؤرخ الإغريقي القديم زينوفون إليهم في جبال غرب آسيا. (راجع ذكره لهم في مؤلفه الشهير: أناباسيس).
وفي الآونة الراهنة، رغم كل شيء، فإن كافة الدلائل تشير إلى أن أي محاولة منفردة لإعلان استقلال الأكراد من جانب واحد، يمكن أن تسفر عن فيضان من الصراعات، قد لا تتمكن المنطقة، الغارقة حتى أذنيها في الأزمات، من تحملها أو التعامل معها. وبعبارة أخرى: إن الحفرة التي تحفرها أربيل قد تتحول إلى ثقب أسود كبير يجر جزءاً كبيراً من منطقة الشرق الأوسط نحو المجهول، وبالتالي لا بد من التوقف عن الحفر فوراً.
ورغم ذلك، فإن الجميع تقريباً لا يفعلون إلا العكس. ولقد تعرض مسعود بارزاني رئيس الحكومة في إقليم كردستان بالهجوم ضد تركيا وإيران، في الوقت الذي هدد فيه باتخاذ الإجراءات العسكرية للسيطرة على المناطق المتنازع عليها في العراق.
وقد يتودد بارزاني بحديثه الصارم إلى قاعدته الشعبية المؤيدة، ولكنه قد يثير حفيظة العناصر الشوفينية المتربصة في بغداد وأنقرة وطهران، الذين دائماً ما يعتبرون الأكراد من معسكر الأعداء.
ومن جانبه، اقترب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي كثيراً من التهديد باستخدام القوة العسكرية، لوقف العملية التي لا تزال غير واضحة المعالم. وجاءت تهديدات أخرى من جانب طهران، إذ صرح مستشار الأمن القومي الإيراني علي شمخاني بأن الجمهورية الإسلامية سوف تلغي كافة الاتفاقيات الأمنية المبرمة والمتعلقة بالإقليم الكردي، وقد تتدخل عسكرياً هناك للتعامل مع الجماعات المناهضة للحكومة الإيرانية.
وبالنسبة لأنقرة، فقد وصفت الحكومة التركية الاستفتاء الكردي المزمع بأنه «خط أحمر»، مستخدمة المصطلح الفاقد للمصداقية الذي بات شائع الاستخدام، منذ إطلاقه على لسان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، في عام 2014 بشأن سوريا.
وقبل أيام معدودة على الاستفتاء، أعلن الجيش التركي عن مظاهرة عسكرية علنية وكبيرة، على الحدود مع إقليم كردستان العراق، الخطوة التي اعتبرت رسالة تحذير واضحة إلى أربيل.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن الدعم الموجز الممنوح للاستفتاء الكردي ناجم في جزء كبير منه عن آمال عقود النفط المربحة، أكثر من اعتبارات الجغرافيا السياسية الرصينة. ومثل هذا الموقف من شأنه أن يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعماً من النخبة الثرية في بلاده، ولكنه يخاطر في الوقت ذاته بجر روسيا إلى عملية محفوفة بالمخاطر، لن تكون لها أي سيطرة حقيقية عليها. كما أن تصريحات واشنطن المائعة وغير الواضحة بشأن القضية، تثير قدراً مماثلاً من المشكلات.
فلقد كان الأكراد العراقيون من أفضل حلفاء الولايات المتحدة الذين ساعدوا في تفكيك نظام صدام حسين، فيما بعد حرب تحرير العراق، وفي أعمال القتال الجارية ضد تنظيم داعش الإرهابي. ولن تنال واشنطن شيئاً من اتخاذ موقف الخصم في عملية تقرير مصير الإقليم الكردي.
وعند تناول المشكلة من الناحية القانونية، فقد أعلنت المحكمة العليا العراقية أن الاستفتاء الكردي المقترح يعد انتهاكاً صريحاً ومباشراً للدستور العراقي. ومن جانبه دعا البرلمان الوطني العراقي القيادة الكردية في أربيل إلى تأجيل عقد الاستفتاء، مشيراً في ذلك إلى رسالة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن غير الواضح إلى أي النتائج سوف يسفر الحديث عن إلغاء الاستفتاء في اللحظة الأخيرة. ومع ذلك، أعتقد أن قرار الإلغاء في هذا التوقيت سوف يعود بنتائج سيئة وليست طيبة بحال.
أولاً، يمكن أن يسبب فقدان القيادة الكردية في أربيل لمصداقيتها الشعبية، في الوقت الذي تحتاج فيه الدعم الشعبي لتأكيد سلطاتها، وبالتالي شرعيتها. وسواء أحببنا القيادة في أربيل من عدمه، فإن الإطاحة بسلطتها الذاتية لن يكون في صالح الأكراد العراقيين، أو في صالح العراق بأسره. وتشجيع الانقسامات في الصفوف الكردية وتعزيز الخواء السياسي في منطقة الحكم الذاتي هو آخر ما تحتاج إليه بغداد الآن.
ثانياً، يمكن لقرار الإلغاء في اللحظات الأخيرة أن يؤدي إلى تعزيز العناصر التي لا تزال تعتقد بأن القوة والتهديد باستخدامها هي الوسائل الأكثر فعالية في التعامل مع المشكلات السياسية في المنطقة. وبعد مرور 14 عاماً على انهيار حكم صدام حسين، لم يتحرر العراق تماماً بعد من غيلان الماضي، الحالمين بالعراق أحادي اللون.
ثالثاً، إن إلغاء اللحظة الأخيرة يمكن أن يعتبر «شرعنة» لحق أنقرة وطهران في التدخل في الشؤون الداخلية العراقية، من خلال مزيج قميء من الضغوط العسكرية والابتزاز المقنّع.
لذلك، فما أفضل السبل لوقف تفاقم المأزق الحالي؟
قد تنبني الإجابة المحتملة على الموقف المتخذ من قبل الرئيس العراقي فؤاد معصوم، وهو ينتمي بنفسه للأصول الكردية، ولكنه على ما يبدو ملتزم التزاماً حقيقياً ببناء النظام التعددي في العراق. ولم يقدم السيد معصوم حتى الآن أي خطة تفصيلية لتسوية الأزمة، غير أن اقتراحه بأن يجري تناول المشكلة من خلال المحادثات بين بغداد وأربيل، يمكن استخدامه كأساس التوصل إلى حل وسط للأزمة. وفي مثل هذه الحلول التوافقية، يمكن أن يمضي الاستفتاء من دون عراقيل، في حين أن يكون من الواضح أن نتائجه لن تكون ملزمة بصورة قانونية لأي طرف من الأطراف. وبعبارة أخرى، يتم قبول الاستفتاء، بصرف النظر تماماً عن نتائجه، من واقع أنه حقيقية سياسية يمكن، بل ينبغي، أن تؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة خريطة الطريق التي يحتاج إليها العراق، بمجرد القضاء التام والنهائي على تنظيم داعش الإرهابي.
لن يمكن للأكراد العراقيين فرض رغباتهم بالقوة، ولا سيما في ظل حالة الانقسام الشديدة التي يعانون منها بشأن الاستراتيجية الوطنية. ومن ناحية أخرى، لا يمكن للعراق النزوع إلى أساليب التعامل مع «المشكلة الكردية» والتي أسفرت فيما سبق عن كثير من المآسي المروعة للشعب الكردي، وحادت بالحياة الوطنية العراقية عن مسارها لعقود من الزمن.
إن استفتاء الاثنين المقبل غير لازم وغير ضروري. وأفضل ما يمكن فعله في اللحظات الأخيرة هو المساعدة في تحويله إلى خطأ سياسي. ولا يمكن للسياسة التعامل مع «غير الضروري»، غير أنها يمكنها التعامل مع الأخطاء السياسية.

التعليقات

عبدالله
البلد: 
السويد
22/09/2017 - 02:16

هناك بعض النقاط قد نتفق معك وهي المخاطر التي قد تسببها الاستفتاء لنا ولكنها ستكون اقل ضررا من لو جلسنا ووضعنا يدنا على خدنا وانتظرنا ان يتفرغ لنا الأخوه الشيعه بعد ان يثبت اقدامهم اكثر الاترى بأنهم قضوا على السنه تماما وأخرجوهم من المشهد السياسي العراق الان هم اما تابع لمليشيات ايران أو لاجى في دول الجيران
ياسيدي الكرد لهم تجربه طويله مع هذه العقليه ويمكننا قراءة الخطر القادم ولهذا علينا الهجوم رلاننتظر ان يهاجمونا ان الحرب مع ميليشات ايران قادمه لامحاله ولن يتركوننا بحالنا لأنهم في طريقهم لبناء ولاية الفقيه من اليمن الى لبنان مرورا بالعراق وسورية ونحن نعلم أيضا ان مهركتهم الخيره ستكون مع الكرد قبل ظهور المهدي المنتظر حسب عقيدتهم ولكنهم لن يكسروا ارادتنا مهما كان الثمن وهم يعلمون ذلك

عبدالرحيم
23/09/2017 - 12:29

احسنت الرد استاذ عبدالله

سالم علي
البلد: 
استراليا
22/09/2017 - 03:58

ان الدول والمنظمات الدولية التي تطلب من برزاني تأجيل الاستفتاء يبدو تماما غير مكترثة بمصداقية التجربة السياسية في العراق ومستمرة في دعم النظام الطائفي في العراق بحجة محاربة الارهاب . صحيح ان اقليم كردسان منفصل بل شبه مستقل لكن الاكراد يعرفون الخلل في نظام الحكم في العراق وهم بدأوا ولو بشكل متاخر يقولون ان العراق بدأ يتحول من دولة مدنية الى دولة طائفية لاتعترف باي دور للطوائف الاخرى . ان كثير من الدول تقاتل نيابة عن العراق ولكنها تترد او تمتنع من الضغط على بغداد لاعادة النظر في علاقتها بايران والغاء نظام المحاصصة الطائفية والبدء في بناء دولة مدنية بديلة لولاية الفقيه التي تسببت في تخريب العراق وتصاعد التوتر والعنف في العراق وسوريا . اذا اتخذت الحكومة العراقية هذه الخطوات فالاكراد وغيرهم سيكونوا في وضع صعب اذا طالبوا في الاستقلال.

رشدي رشيد
22/09/2017 - 06:08

يا سيدنا الكاتب أن إصرار حكومة الإقليم على الاستفتاء جاء في وقت احكم حكومة العبادي الطائفية الحصار على الموظفين الذين لا حول لهم ولا قوة و أعدادهم يتجاوز المليون بالاضافة الى حصار بغداد على المحاصيل الزراعية الكردية. إزاء هذا الحصار الخانق على الشعب الكردي لم يكن أمام القادة الكرد إلا البدء بإجراءات الانفصال خصوصا بعد التقاعس الدولي من الضغط على الحكومة الطائفية في بغداد في إزالة هذا الحصار الغير انساني. لذلك نجد الاكراد يقفون صفا واحدا مع القيادة عدا بعض النفسيات الضعيفة من الاكراد من عملاء ملالي إيران. لا يوجد لدى الاكراد ما يخسرونه عدا حياتهم وهي أهون من الموت البطئ جوعا. قد يأتي اليوم الذي سيندم فيه الاكراد لمحاربتهم لداعش.

الناشط اسعد العيداني
البلد: 
العراق
22/09/2017 - 11:30

الكرد في العراق افضل حالا من الكرد في تركيا وايران وسوريا هذا الحال نتيجة توافقات دولية علي راسها الولايات المتحدة الامريكية الراعية للمشروع الكردي في شمال العراق دعمته ليكون موطأ قدم مؤقت لل CIA ريثما يسقط نظام صدام وحصل ماحصل بحصول الكرد الى مايفوق احلامهم هذه التوافقات الدولية والاقليمية مفقودة تماما عدا الموقف الاسرائيلي الغامض بل اصبحت توافقات ضد مشروع الاستفتاء وليست محايدة وهذا يذكرنا بالتوافقات الدولية ازاء اكتساح الجيش العراقي للكويت وتحذيرهم للنطام الصدامي بالانسحاب من الكويت الا انه لم يستجيب ودفع الشعب العراقي اخطاء ورعونة المستبدين ونفس السيناريو سيكرر على الشعب الكردي مالم تستجيب قياداتهم للتحذيرات الدولية .

کاروان احمد
البلد: 
کردستان
22/09/2017 - 12:11

أين مواقف المنظمات الدولية ومجلس الأمن عندما قام صدام بحملة أنفال وإستخدام أسلحة الكيميائية ضد المدنيين في عموم كردستان وخصوصاً حلبجة ؟؟ لمادا يعتبرون هذا الإستعداد الجماهيري للإستفتاء بأنه مأزق !!! المأزقق الحقيقي هي البقاء في ضمن دولة يحكمها ميليشيات طائفية شيعية أو شوفينية القومية الذي يحاول بكل الوسائل جر العراق مرة أخرى إلى صراع القومي .... إنفصال مهما كان نتيجته أحسن من بقاء في بلد يقتل يوميا الأبرياء على خلفية الطائفية ..

الناصر دريد سعيد
البلد: 
العراق
22/09/2017 - 16:32

يبدو المقترح الذي تقدم به الاستاذ طاهري معقولا ، المشكلة ان البارزاني اعلن بلا مواربة ان الهدف الوحيد للاستفتاء المزمع اقامته بعد ايام قلائل هو الاستقلال الناجز ولاشئ غيره قافزا بهذا الاعلان على كل تصريحات السيد هوشيار زيباري رئيس لجنة الاستفتاء الدبلوماسية والتي اكدت اكثر من مرة ان الاستفتاء لايعني الاستقلال اّليا ، والمشكلة كما ترى استاذ طاهري ان البارزاني باعلانه هذا قد انزل الموضوع من مستوى دبلوماسية الغرف المغلقة والمفاوضات الممكنة الى مستوى شعارات الشارع وتهييجه وفي ظل هذا الاستقطاب لم يعد الشارع العراقي يتحمل خيارا ثالثا فانت اما ان تكون عربي او كردي اي ضد او مع الاستفتاء ولاشئ بينهما !!! وهو ماتركنا جميعا كاصحاب الرأي الثالث في موقع غاية في الحرج ونلتفت هنا وهناك محاولين الاطفاء دون جدوى

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة