الغربال إذا غنى

الغربال إذا غنى

الجمعة - 17 ذو الحجة 1438 هـ - 08 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14164]
جوسلين إيليا
إعلامية وصحافية لبنانية عملت مقدمة تلفزيونية لعدة سنوات في لندن وبيروت، متخصصة في مجال السياحة.
انتشرت في العالم في الآونة الأخيرة ظاهرة برامج المواهب التي تعرض على شاشات التلفزيون، وهذه الظاهرة امتدت إلى عالمنا العربي الذي ينقل الأفكار المعلبة من الغرب ويسوقها في الشرق.

ولكن ما علينا، فأنا لست بصدد معالجة موضوع الشلل الدماغي في عالمنا الذي أدى إلى نقل الأفكار الجاهزة، إنما أريد التكلم عن المواهب التي أراها في بعض الأوقات بمثابة نقمة وليست نعمة.

كيف؟... سأشرح...

عندما أرى أحدهم يغني بصوت جميل ولكن ليس رائعا لا يؤهله للفوز ولا حتى للوصول إلى مرحلة النهائيات أحزن، والسبب هو أن موهبة هذا الشخص موجودة ولكنها ناقصة، وأحزن أكثر عندما يقول صاحب هذه الموهبة «المضروبة» بأن الفن والغناء يجريان في دمه وهذا الشيء الوحيد الذي يعيش من أجله وهذا الشيء الوحيد الذي يعرف أن يقوم به.

هذا الأمر يجعلني أفكر بمستقبل هذا الشخص الذي سيقضي كل حياته في عمل يكرهه لأنه يحب شيئا لا يملكه.

هناك مثل أجنبي يقول: «Jack of all trades، master of none» ومرادفه الأقرب بالعربية: «سبع صنايع والبخت ضايع» وهذا المثل ينطبق على الشخص الذي يملك أكثر من موهبة أو مهنة ولكنه لا يفلح في أي منها، ولكن الفئة التي أتكلم عنها هي صاحبة المواهب المنقوصة التي ينطبق عليها المثل اللبناني القديم: «مثل الغربال ما بيعرف إلا شغلة واحدة» وإذا ما دل هذا المثل على شيء فهو يروي قصة أصحاب المواهب الذين يتقنون مهنة لا يتقنون سواها.

ففي بعض الأحيان نرى بعضهم يحاولون مرارا وتكرارا المشاركة في برامج اكتشاف المواهب دون جدوى، وكم أحزن عندما ينصح أحد أعضاء الحكم المشتركين بالعمل أكثر والعودة في الموسم المقبل.

نعم التكرار مهم ويجعلنا نفعل ما نمارسه بطريقة أفضل، ولكنه لا يعني أنه سيغذي موهبتنا، ورأي هذا يستند إلى نظرية علمية، ففي الماضي كان العلم يرى بأن التكرار يجعلك استثنائيا ويجعلك الأفضل فيما تقوم به، ولكن هذه النظرية أجهضها العلماء أنفسهم بعدما تبين لهم أن التكرار يقوي خصالنا التي نتبناها وتصبح بمثابة طبيعة ثانية ملاصقة بنا ولكن هذا الأمر لا يعني أن التكرار يغذي ويحسن ما نعتقد أننا بارعون به.

ما أود أن أقوله هو أن هناك فرقا شاسعا ما بين الهواية المبنية على موهبة، والمهنة، ولهذا السبب أنصح دائما الأشخاص الذين يملكون الموهبة المنقوصة بعدم التخلي عن عملهم اليومي الذي يضمن لهم قوتهم، وبدلا من بناء الأحلام على أساس ناقص فمن الأفضل تنمية العمل الدائم ولو لم يكن غير ما نتمناه.

عندما أرى عازفا يجلس على باب محطة القطار ومترو الأنفاق أفكر بشيئين: «الحظ والموهبة»، لأنه في بعض الأحيان توجد الموهبة الكاملة التي ينقصها الحظ الذي يوصل صاحبها إلى عالم الأضواء والشهرة ولكن هناك أيضا من يرفض فكرة أنه ليس موهوبا بما فيه الكفاية وبذلك يجب أن يتقبل الواقع ويبحث عن مهنة أخرى.

وهنا أتساءل: هل يا ترى يمكن أن تتحول الموهبة إلى نقمة؟

وسؤالي لا ينطبق فقط على أصحاب المواهب الفنية ولكن، وعلى رأي المثل «الغربال»، على أي شخص لا يجيد إلا فعل شيء واحد، ويا له من سوء طالع في حال كان لا يجيد الشيء الوحيد الذي يظن بأنه يجيده.

الكاتب، المعلم، الصحافي، النجار... كلها مهن ترتكز على موهبة، ولكن للأسف ليست كل المواهب كفيلة بأخذك إلى القمة وتحقيق أحلامك ولهذا السبب خلقت كلمة «هواية» ومن الأفضل في هذه الحالة بأن يقوم «الغربال» بالشيء الوحيد الذي يقوم به وعندما يقرر أن يغني يجب أن يدرك بأنه لن يكون عبد الحليم حافظ!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر