الخصوصية في زمن الإنترنت

الخصوصية في زمن الإنترنت

الأربعاء - 8 ذو الحجة 1438 هـ - 30 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14155]
عبير مشخص
صحافية وكاتبة سعودية في مجال الفنون والثقافة
على «تويتر»، وضع أحدهم جملة تقول «كان الناس يهربون من الواقع للإنترنت، واليوم يريد الكثيرون الهروب من الإنترنت للواقع». هل وجدت نفسك يوماً في هذا الموقف؟ ربما لم نصل كلنا بعد لتلك اللحظة، ولكن من المؤكد أن هناك بوادر ملل وتخمة من العيش في عالم افتراضي يقطنه ملايين المستخدمين يتحدثون، ويتشاركون في كل شيء.

نشرت مواقع كثيرة من فترة أن موقع «فيسبوك» يحاول إعادة مستخدميه لنشر قصص حول حياتهم الشخصية، بعد أن تراجعت نسبة المشاركات الشخصية، وخصص الموقع فريقاً خاصاً من أجل إعادة الموقع لسابق عهده. ومن الطرق التي لجأ لها الفريق هي تخصيص فقرة لـ«الذكريات»، لعل المستخدم يعيد مشاركتها مرة أخرى، ويحفز الآخرين للمشاركة بقصص شخصية مرة أخرى. ومع تراجع القصص الشخصية، تحول موقع «فيسبوك» فعلياً هذه الأيام إلى منصة للإعلانات بشتى أشكالها، يكفي أن تزور موقعاً معيناً حتى يلتقطه «فيسبوك»، ويطاردك به كلما فتحت صفحتك.

هناك ملاحظة أساسية، وهي أن مواقع الإنترنت قضت على فكرة «الخصوصية»، كما نعرفها. فعلى سبيل المثال، يعرف «فيسبوك» ما تحب قراءته، وما تحب شراءه، عبر تحليل المواقع التي تزورها، وأكثر من ذلك. في أحد الأيام، كنت أتحدث مع جارة لي، وتبادلنا أرقام الهاتف، لم أسجل اسمها بالكامل على الهاتف، واكتفيت باسم «الدلع»، ولكن ذلك لم يمنع «فيسبوك» من اقتراح اسم الجارة بالكامل، لتصبح صديقتي على الموقع. وفي موقف آخر، كنت وصديقة نتحدث حول شخصية عامة، وطالعنا الصفحة الخاصة بالشخصية على «فيسبوك»، ولكن من هاتف صديقتي. وبعد دقائق، وجدت اقتراحاً على صفحتي بإضافة الشخصية ذاتها.

قد يبدو كل ذلك مضحكاً أو طريفاً للخبراء بالإنترنت وطريقة عمل مواقع التواصل، ولكن بالنسبة لي كان الأمر مزعجاً، أحسست بأن هناك من يتلصص علي، ويسمع كل كلمة أقولها، ويراقب تحركاتي. ووجدتني أفكر مرة أخرى في الخصوصية، ماذا تبقى منها في زمن الـ«فيسبوك»؟ ليس الكثير في الحقيقة، إذا أردت أن تظل نشطاً في مواقع التواصل الاجتماعي.

ولكن فكرة تراجع الخصوصية لا تقتصر على الإنترنت، وإن كانت قد بدأت بها، فقد أصبح الناس متأقلمين مع مشاركة من حولهم في قصص حياتهم ولحظاتهم الخاصة. فعلى سبيل المثال، في رحلتي اليومية بالقطار، أجدني مضطرة لسماع مكالمات هاتف طويلة بين أزواج أو أصدقاء، تتناثر فيها معلومات شخصية ومالية. وبفضل الـ«واي فاي» والإنترنت، أصبح الركاب يستخدمون هواتفهم والـ«آيباد» وغيره في مشاهدة برامج التلفزيون والأفلام، بينما يتناولون وجبة «ليست سريعة في الواقع»، فتجد رائحة الأكل المطهي تحاصرك وأنت في مقعدك. في إحدى المرات، وجدتني أهرب من عربة القطار إلى عربة أخرى، بعد أن قررت راكبة أن تغير حفاضات ابنتها في وسط الناس، ولن أطيل الحديث حول الرائحة والضجة الناتجة من بكاء الطفلة، بينما تولى إخوانها الصغار مهمة القضاء على ما تبقى من الهدوء في العربة بمشاجرات ومناقشات مرتفعة الصوت. وبدا الأمر وكأن الركاب قرروا إحضار غرفة معيشتهم للقطار، ومشاركة الركاب في كل تفاصيلها، رضوا بذلك أو لم يرضوا!

في مثل هذه الأجواء، ليس بالمستغرب أن يفضل البعض العودة إلى الوراء قليلاً، فعادت الهواتف «غير الذكية» للأسواق، لمن يريدون العودة للوظيفة الأساسية للهاتف والابتعاد عن عالم الإنترنت للحظات، ورغم انتشار أجهزة القراءة الإلكترونية لفترة، تراجعت وعادت الكتب الورقية لتجد مكانها مرة أخرى، وقد يكون هذا ما يحتاجه الإنسان: الحل الوسط بين العيش في العالم الافتراضي والعالم الواقعي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة