«البريكست»... لا وجود له

«البريكست»... لا وجود له

الأربعاء - 8 ذو الحجة 1438 هـ - 30 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14155]
«البريكست يعني البريكست»، كما ظل الساسة البريطانيون يرددون خلال الشهور الماضية. ولكن الآن يبدو الأمر وكأنه لا يعني أي شيء على الإطلاق.
من واقع الموعد المحدد النهائي لمغادرة أوروبا بحلول عام 2019، فإن كلا من الحكومة البريطانية وحزب العمال المعارض يحاولان كسب المزيد من الوقت. ولقد أعلن وزير البريكست في حكومة الظل بحزب العمال كير ستارمر أن حزبه المعارض سوف يدفع من أجل الانتقال مع المحافظة على الترتيبات الاقتصادية الحالية، بما في ذلك عضوية المملكة المتحدة في السوق المشتركة بالاتحاد الأوروبي والاتحاد الجمركي الأوروبي. وكانت الحكومة البريطانية أقل وضوحا حيال هذه المسألة، ولكن موقفها المعلن إزاء الترتيبات الجمركية الأوروبية في المستقبل تعكس، في خضم كافة الإسهابات الغامضة، أن الهدف من الانتقال يجب أن يكون «ضمان أن الشركات والأفراد في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي يتعين عليها تهيئة الأوضاع لمرة واحدة فقط صوب علاقة جمركية جديدة». ولا يمكن لهذا الأمر إلا أن يعني أن صفقة الانتقال ينبغي أن تتسق مع الاتفاق الحالي، وخلافا لذلك، فلا بد من إدخال تعديلين جديدين على أدنى تقدير.
كان القادة في بريطانيا يقاتلون من أجل مغادرة الاتحاد الأوروبي منذ سنوات. أما الآن فإن الاختلاف بين موقف حزب العمال وموقف الحكومة لا يعدو التباين الخطابي اللفظي ليس إلا. وبالأساس، تحاول الحكومة البريطانية التمسك بقاعدة مؤيدي الخروج البريطاني القوية في الوقت التي تسعى فيه لتأمين نفس النتيجة المؤقتة التي حازها حزب العمال المعارض.
وحتى الآن، فإن كلا من الحكومة والمعارضة في بريطانيا تتحدثان حول فترة انتقالية محدودة. ويود حزب العمال لتلك الفترة أن تستمر لمدة أربع سنوات كاملة، ومن المحتمل محاولة تمديدها إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، والمقرر انعقادها في عام 2022. ويتحدث أكثر المتحمسين للخروج البريطاني داخل أروقة الحكومة، ومن أبرزهم وزير التجارة الدولية ليام فوكس، حول فترة انتقالية تمتد لعامين كاملين، مع انقضائها تماما قبل إجراء الانتخابات القادمة.
ومن سياق السياسات في المملكة المتحدة، فإن هذا الاختلاف جوهري وكبير بدلا من كونه خطابي النزعة والتأثير. فالسيد فوكس وحلفاؤه يرغبون في حرمان المعارضة الحالية من أية سيطرة على الترتيبات النهائية لما بعد الفترة الانتقالية. ولكن في واقع الأمر، فإن القادة في بريطانيا يملكون بالفعل سيطرة واهية على طول الفترة الانتقالية.
فسوف تمتد هذه الفترة طوال الوقت الذي تستغرقه المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي للموافقة على الاتفاق التجاري الجديد، وخلافا لذلك، فإن الانتقال لا جدوى منه. بيد أن المملكة المتحدة لا يمكنها تحديد وتيرة المفاوضات، كما أن الاتحاد الأوروبي غير عابئ بتحديد نفس الشيء طالما أن الفترة الانتقالية تحافظ فعليا على الترتيبات القائمة. والاتحاد الأوروبي، في خاتمة المطاف، لم يكن هو من أنشأ فكرة الخروج البريطاني من عضويته، ومن دواعي سرور المملكة المتحدة أن تبقى وفق الشروط الحالية، وإن فقدت تصويتها كذلك، فلن تكون سوى مكافأة لهم على أدنى تقدير.
وبأكثر من أي وقت مضى، فالاتحاد الأوروبي يملك اليد الطولى. ومع الحرص البريطاني على الفترة الانتقالية، فإن كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنييه في غير حاجة إلى التراجع عن أية قضية من القضايا الأساسية، مثالا بحماية مواطني الاتحاد الأوروبي داخل المملكة المتحدة، والصيغة النهائية لقانون الخروج البريطاني، أو طلب الاتحاد الأوروبي بأن تشرف محكمة العدل الأوروبية على أي انتقال يحدث. وسوف يكون لزاما على المملكة المتحدة القبول بشروط السيد بارنييه بغية ضمان أنها لا تواجه تأثير حافة الهاوية في عام 2019.
ويمكن لأحدنا القول بأن التصويت البريطاني بالمغادرة قد أثار قلق وحفيظة مواطني الاتحاد الأوروبي بدرجة كافية دفعتهم لمراجعة موقفه حيال خروج المملكة المتحدة، أو بكل بساطة، البقاء بعيدا عن ذلك في المقام الأول. ولكن «بريكسودس – أي المغادرة الأوروبية للموقف البريطاني» قد لا تكون أكثر من وهم. وبرغم ذلك، فإن البيانات الصادرة حديثا تعكس انخفاضا كبيرا في صافي الهجرة من بلدان أوروبا الشرقية، ولكن لا يزال هناك تدفق صاف كذلك. وربما، بالنسبة لبعض مؤيدي البريكست، أن هذا الانخفاض المسجل في الهجرة يعد تعويضا كافيا عن حالة عدم اليقين الراهنة وخسارة المملكة المتحدة للتصويت السابق. ولكن بالنسبة إلى الباقين منا، فإن الخروج البريطاني يقوم مقام الحالة الكلاسيكية من الجبل الذي اهتز بكل قوة ليلد فأرا!
*بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة