ينتشر في المداولات الثقافية اليمانية تعبيران مترادفان هما القناديل والزنابيل، وفهمت من بعض أصدقاء يمانيين في مناقشاتي معهم عن هذه الثنائية، أنها تحيل إلى معنى طبقي يصنف الفئات بين سادة هم الأعلى وغيرهم الأقل، ليس لسبب جوهري وإنما هو فحسب لأسباب تتعلق في السلالات وتمايزها. وازدادت هذه المقولة مع اشتداد نيران التحارب داخل اليمن، تحديداً بين الحوثيين وسائر مكونات الشعب اليمني، وانتشر التمييز في المدونات اليمنية في منصة «إكس» وفي «فيسبوك»، حيث يتحرك المصطلحان معاً لوصف الحال التي تمر بها أحداث اليمن، وتصوره التدوينات على أنه صراع بين غالب يأمر ومغلوب يأتمر. والزنابيل تعني أصلاً الحاويات المصنوعة من الخوص وتنقل الطيب والخبيث، وإذا تهتكت من كثرة الاستخدام تُرمى دون اكثراث لمآلها. هذا وصف يصف حال الحشود التي يحشدها الحوثي على الجبهات دون أي اكتراث لمصائر هذه الحشود التي ستتصف بالزنابيل، يقابل ذلك الحوثيون بصفة القناديل من باب ترفيع طبقاتهم فوق الزنابيل، وهم أصحاب الأمر والنهي والغلبة. فالحوثيون قناديلُ لأنهم يقولون إنهم من نسل بيت النبوة. وبهذا النسب يكونون أشرافاً أو سادةً في تصنيفات اجتماعية سارية في المجتمعات الإسلامية عامة. لكن حدث تحول دلالي مع ظهور الحوثي على صدارة الأخبار بوصفه سلطةً طارئةً على الحال اليمنية. وفي الأصل كان الحوثيون أسرةً يمانيةً تعيش في صعدة شمال اليمن تحصنهم الجبال والطبيعة الوعرة، ولم تكن لديهم أي مشاكل مع أحد، لا في اليمن ولا خارجه، غير أن واحداً منهم ذهب لإيران عام 1988 ثم عاد برأسٍ غير رأسه الذي سافر به، أتى برأسٍ متلبسٍ بفكرة التحارب، وأن الحرب والقوة الغاشمة تحققان ما لا تحققه الدعوة بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة. وصنع لأسرته تحالفات قبلية استجابت لدعوته بالإغراء المادي حيناً وبالفرض الجبري أحياناً أكثر. وإيران تكفلت له بالمال والسلاح بكرم وفير لتعزيز الحالة الاحترابية عنده. ولم تزوده بالمستشفيات ولا بالمدارس ولا بفرص العمل والتنمية الاقتصادية الثقافية إذ لم يكن ذاك هدفاً. بل الهدف هو صناعة رجال تحارب عن عقيدة وإصرار أيّاً كانت أثمان الحرب عليهم وعلى وطنهم. وحين امتد نفوذ الحوثي برز مصطلح الزنابيل الذي يعني أولئك الذين يقعون في إغراءات الحوثي المالية أو القهرية. ويستخدمهم الحوثي لأداء المهام التي يسندها إليهم من قتالٍ، ومن تجميع حشود قتالية تجتاح قرى اليمن بلدةً بلدةً، وتستمر في التهام الأرض وتطويع السكان، ولا يهم السيد من مات من الزنابيل، ولا من جرح، أو ضاع، أو وقع، بما أنه جعلهم سخرةً وعتاداً حربياً، وإذا مات زنبيل فهناك زنابيل كثرٌ غيره، لكن موت السيد هو الأمر الفادح. وهناك تقارير رسمية من الأمم المتحدة تدين الحوثيين في تجنيد الأطفال ودفعهم للجبهات، وتركهم وقوداً لنيران الموت.
هذا ليس من قولي ولا من تأويلي للمعنى، ولكنه يأتي من الإحالات الدلالية التي يقولها اليمانيون أنفسهم، وقد يفسر هذا كثرة الحشود في صف الحوثي وعدم اهتمام الحوثي بقتلاه في صفه ولا في صفوف الجهة المقابلة، فكلهم زنابيل لا بواكي لهم، لأنهم مجرد وقود يمد طاقات الحوثي في تحقيق مآربه. وهو يحقق بهؤلاء معظم مآربه، والأخبار العالمية لا تغطي أعداد الغلابة الذين هم دوماً ضحايا الحروب في كل بقاع العالم، ويمر التاريخ دون أن يراهم، فعيون التاريخ ترى فقط المنتصرين الذين سيكونون كباراً بسبب الفوز، وأحد مغانم الفوز هو المجد للفائز. وقد يتذكر التاريخ الخاسر الكبير الذي كان مهيأً للفوز، لكنه خسر الرهان مثل هتلر بوصفه الخاسر الأكبر في الحرب العالمية الثانية، وقبله نابليون، وهما معاً أقرب مثالين لذاكرتنا، والحوثي مرشحٌ ثقافي لأحد المعنيين، بينما الزنابيل سيمرون كما مرت جحافل هتلر دون أن يراهم أو يسمع بهم أحد، فليس مطلوباً من العالم أن يكترث بهم، بما أنهم وُجدوا ليكونوا مادةً لإيقاد النار، ووقوداً للموت من أجل سيد ينتظر النصر.
وأختم بأبياتٍ لميخائيل نعيمة تصف مآلات الزنابيل:
أخي! إنْ ضَجَّ بعدَ الحربِ غَرْبِيٌّ بأعمالِهْ
وقَدَّسَ ذِكْرَ مَنْ ماتوا وعَظَّمَ بَطْشَ أبطالِهْ
فلا تهزجْ لمن سادوا ولا تشمتْ بِمَنْ دَانَا
بل اركعْ صامتاً مثلي بقلبٍ خاشِعٍ دامٍ
لنبكي حَظَّ موتاناحظ موتانا حسب تعبير نعيمة هو مآل كل زنبيل أوقعه سوء طالعه في لعبة تحارب لا رأي له فيها ولا قرار، وقيمته بصفته إنساناً ستمر كما وصفها ميخائيل نعيمة الذي خلّد هذه الصورة المأسوية بحسه الإنساني المتفرد، وهو الحس الذي عاش ظرفه وعاناه بنفسه أثناء الحرب العالمية الأولى، وشهد حالات التحشيد القهري بسبب العوز والوعود الخلابة التي انخدعت فيها حشود زنابيل الشعوب الفقيرة، ثم ذابوا في مستودعات النسيان، وخرجوا من ذاكرة الواقع. وتناستهم الأخبار فنسيهم التاريخ، حتى قبورهم من دون معالم، وقتلاهم من دون رمزية، وكلهم خارج المعنى لأنهم كانوا وقوداً للتحارب ليس أكثر.
