ثمة مقولة في السياسة: سهل أن تبدأ الحرب، لكن صعب إنهاؤها؛ هذا بالضبط ما وقعت فيه إسرائيل وأميركا في حربهما على إيران. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتبر أنه انتصر، وقادة إيران (الجدد) قالوا إنهم انتصروا، في حين ربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانتصار بسقوط النظام الإيراني. ورغم هذه التناقضات، ثمة حقيقة لا ينكرها أحد أن الحرب في طريقها لتغيير خريطة الشرق الأوسط قاطبة. فإيران بعد الحرب ليست كما قبلها، وأوراقها الميليشياوية أصبحت أقل فاعلية، واضطرت بهذا التغيير إلى أن تنتقل من نظرية الدفاع المتقدم إلى نظرية الهجوم المباشر. ومع تبني نظرية الهجوم أصبحت الحرب بين إسرائيل وإيران حرباً مباشرة، ومعركة وجودية لا يمكن الاستسلام فيها أو التراجع؛ وبوجود ترمب في السلطة، وبقاء نتنياهو في الحكومة بعد الانتخابات الإسرائيلية أصبح التصعيد أمراً محتماً ما دام أطراف النزاع لا تتراجع ولا تتنازل. هذا العناد يقفل الأبواب أمام الدبلوماسية، ويفتح سلم التصعيد إيماناً بأن الطرف الآخر سيتراجع، وبهذه القناعة تصبح الحرب حتمية، ومعها تنفتح المنطقة كلها على تغيرات كبرى.
ثمة مؤشرات على هذه التغيرات على المستويين الإقليمي والدولي: إقليمياً ثمة قناعة لدى دول المنطقة التي لا ناقة لها في هذه المواجهة التي ستكون على أرضها، وتدرك أنها ستتعرض لأضرار كبرى لكونها لم تكن تفكر أصلاً بالمواجهة، ولا تكنّ عداءً، ولا لديها أطماع، بل جُلّ اهتمامها تطوير مرافقها، وتعزيز علاقات الجوار مع إيران. وبما أنها ستواجه ضربات إيرانية لإرباك الولايات المتحدة، وتهديد اقتصاد المنطقة، واستلحاقاً الاقتصاد العالمي بدأت دول الإقليم ترسم واقعاً جديداً للمنطقة هدفه بناء حائط قوي ضد أي اعتداءات تطولها، وبالوقت ذاته تُفعّل الدبلوماسية، والوساطات لتخفيف وطأة الحرب المدمرة. وتجسّد هذا التوجه بتحالفات بعضها تشكَّل قبل الحرب وبعضه بعدها؛ فالاتفاقيات الإبراهيمية السابقة للحرب تعززت أكثر، وترسخت قناعة أطرافها أن خيارها كان صائباً، وفي المقلب الآخر ظهرت اتفاقية مكة وبها تعهد الموقّعون (باكستان والسعودية وتركيا) بالدفاع عن أراضي أي دولة تتعرض لاعتداء؛ وثمة ترجيحات أن تنضم مصر للاتفاقية وربما دول إسلامية أخرى. هذه التشكلات والتحالفات هدفها ليس هجومياً بل دفاعي، وتمرير رسالة واضحة للمعتدي أنه لن يستفرد بدولة، بل سيواجه تحالفات من دول ذات ثقل عسكري ودبلوماسي واقتصادي؛ هكذا سيضطر المعتدي إلى إعادة حساباته، وتوقعاته، حتى ولو كان مؤدلجاً للعظم.
لا شك أن إيران، رغم تكتمها، ترى في هذه المتغيرات تهديداً حقيقياً بعد خسارة زنار ميليشياتها، وأصبحت بمسار الأحداث أمام خيارين: خيار الاستسلام، وهذا ما ترفضه مطلقاً، أو خيار المواجهة الشمشوني: هدم المعبد على الجميع. هذا المنطق الشمشوني جنوني لأنه سينزل أضراراً كبرى بدول المنطقة وبالمقابل سيدمر إيران كلية، والسبب أن دول المنطقة بتحالفاتها الجديدة تنبهت لذلك، وعززت قدراتها الدفاعية، واستعدت بما يكفي للمواجهة إذا ما فُرضت عليها قسراً. ولعقلنة إيران تندرج زيارة وفد دول اتفاقية مكة لطهران لإعطاء الدبلوماسية نافذة تُخرج إيران من موقع الانتحار، وتدمير المنطقة؛ فدول اتفاقية مكة تسعى بدافع العقلانية لمساعدة إيران في مفاوضاتها مع أميركا، وإيجاد مخرج، وعرقلة خطط نتنياهو الهادفة، مثل إيران، للتغول على المنطقة، وخلق توازنات عسكرية تضمن للجميع العيش بسلام. ويبدو من الأصوات القادمة من إيران أن القيادة لم تستوعب بعد هذه الرغبة الدبلوماسية الصادقة، بل ربما تراهن على الصين وروسيا في المعركة المصيرية في حين الصين يُفرحها تقليل هيمنة أميركا على الطاقة والممرات، لكنها لا ترغب في حرب غير مباشرة مع أميركا تضر بتجارتها، وتضرب صدقيتها مع حلفائها العرب؛ كذلك روسيا تساعد إيران بالقطَّارة وبهدف المقايضة مع ترمب، ويبدو أنها نجحت بدليل انحيازه لها، ورفع الحظر النفطي عنها، وعقد صفقات معها في ألالسكا لاستخراج المعادن الدقيقة. هذا التقارب الروسي مع ترمب، بسبب إيران وغيره، يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورقة للموازنة بين أميركا والصين ويجنّبه الوقوع في أسرهما بدافع الاضطرار. هكذا تتشكل المعادلة الدولية وفق قناعة أن الصين لا تريد أن تكون بديلاً للولايات المتحدة في المنطقة، بل تريد أن تستفيد من الدور الأميركي لتعزيز تجارتها، وبالوقت ذاته توسيع تحالفاتها مع دول المنطقة تجارياً وربما مستقبلاً عسكرياً. كذلك تدرك روسيا أن عودتها للمنطقة صعبة، ولهذا تركز على أوكرانيا وإنهاء الحرب بتسوية تمنحها أكبر قدر من مطالبها، وبأمل في أن تنفتح على أميركا لتعيد تجديد صناعاتها وتجارتها، وتشغيل اقتصادها.
يدرك قادة إيران هذه المتغيرات ويحاولون دونما شك تجنب مطباتها، لكنهم محشورون بالآيديولوجيا والقناعة بأن التنازل سيجر تنازلات، وأن أميركا لا يوثَق بضماناتها، وبالتالي فإن خيارهم الحتمي يبقى شمشونياً بامتياز. هذا الخيار تدرك مضاره دول اتفاقية مكة؛ ولذلك كان اجتماع طهران فرصة أخيرة لعقلنة إيران.
