الجهل مصيبة في غالب الأحوال، ونعمة في قليلها، لكنَّه مع النجم الفرنسي العالمي، كيليان مبابي، هو من الصنف الأول، في المثال الذي معنا اليوم، وفي حكايته عبرة وفكرة.
كما جاء في الأخبار، فإن القصة بدأت خلال مقابلة مع البرنامج الفرنسي «ذا بريدج»، عندما أشار مبابي إلى صورة يظهر فيها وجهه مركباً على جسد الزعيم الصيني السابق، ماو تسي تونغ، واصفاً إياه بـ«ديكتاتور صيني». غضب الصينيون، أو دولة الصين، ومن لك بغضب دولة مليارية البشر؟!... «حسبت الناس كلهم غضاباً».
3 شركات صينية أنهت تعاونها مع مبابي، هي «دونغ بينغ» و«مينغنيو» و«ميلك غراوند». كما أعلنت مجموعة الإعلام الصينية تعليق بثّ مباريات الدوري الإسباني وإزالة الإعلانات المرتبطة باللاعب.
وأمام تصاعد ردود الفعل، قدّم مبابي اعتذاراً باللغات الفرنسية والإنجليزية والصينية، أقرَّ فيه بأنَّ تعليقه لم يكن موفقاً، وأنَّه جرح مشاعر كثيرين، مؤكداً احترامه للشعب الصيني وتاريخه.
ليس هذا فحسب، بل سارع نادي ريال مدريد، الذي يلعب له النجم الفرنسي، فأصدر بيان اعتذار للصين، وأيضاً رئيس رابطة الدوري الإسباني خافيير تيباس قال إنَّ تصريحات اللاعب لا تمثل الرابطة، والتقى السفير الصيني لدى إسبانيا لاحتواء الأزمة. لماذا هذا الحرص على استرضاء الصين من طرف النادي الملكي المدريدي، وقيادة الدوري الإسباني لكرة القدم؟! السبب المباشر هو سبب تجاري بحت، فالصين سوق عملاقة للنادي وللدوري واللاعب أيضاً. حسب الوكالة الفرنسية عن صحيفة «ماركا»، تمثل الصين نحو 10 في المائة إلى 15 في المائة من مبيعات قمصان ريال مدريد ومنتجاته الأخرى. كما بلغت قيمة حقوق البثّ الدولية للدوري الإسباني في موسم 2024 – 2025 نحو 748 مليون يورو. ونقلت الوكالة الفرنسية عن مصدر في الرابطة أن الصين والولايات المتحدة معاً تمولان غالبية إيرادات حقوق البثّ الدولية. هذه مجرد أرقام أولية تكشف عن حجم المصالح الضخمة المرتبطة بالصين، التي تعني ريال مدريد والدوري الإسباني واللاعب مبابي نفسه... يعني «أكل عيشه » من بلاد التنين.
هذا يكشف لك قوة الصين المتشعبة عالمياً، كما يكشف لك مدى ترابط مصالح العالم بعضه ببعض من أقصى الغرب لأقصى الشرق. لكن المراد من التأمل في هذه الحكاية أنَّ الجهل بعواقب الأمور لدى بعض المشاهير يجني على صاحبه البلاء، فلو كان الشاب مبابي يدرك هذه العواقب لما «استظرف» في تلك المقابلة على الصين، ورمزها المبجل ماو.
هذا الجهل وقصور النظر والجرأة في الكلام هو دأب غالب نجوم السوشيال ميديا، ولذلك فإنَّ نجوم الرياضة والفن والميديا يتشبهون بهذا السلوك.
كما أنَّ للحكاية عبرة أخرى، هي أنَّ ثقافة حرية التعبير والمبالغة في الكوميديا السياسية في دولة أوروبية ديمقراطية مثل إسبانيا، ليست مطلقة الإرادة، فهناك حدود، إن لم تفرضها الإقناعات والسجالات والحجج الفكرية عن عظمة «القيم الآسيوية»، فستفرضها (هذه الحدود) سيوف المال ورماح المصالح! وفي ذلك آية كبيرة على أنَّ العالم صار حقاً قرية واحدة، وربَّما في هذه الحالة صار قرية صينية.
