سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

أول عسكري وآخر مدني... الزعيم الخائن

استمع إلى المقالة

من تذمّر حسني الزعيم من السياسيين إلى تساؤلات القوتلي عن صلة الانقلاب بموقفه من فلسطين، نتابع مع مذكّراته تفاصيل الأيام التي سبقت سقوطه:

«ذهب الزعيم إلى منزل السيد خالد بك العظم، الذي خلف جميل مردم بك في رئاسة الحكومة وفي وزارة الدفاع في خريف عام 1948، ليشكو إليه تصرفات فيصل العسلي. كان معه بعض الضباط من أنصاره، وكانت زيارتهم في وقت الغداء، ويبدو أن السيد خالد العظم كان عنده بعض الضيوف، ومنهم فخري بك البارودي؛ فقال لمن أخبره بحضور الزعيم وصحبه: دعهم ينتظرون! طال انتظارهم، على ما بلّغني به فخري بك بعدها، فقد التفت حسني الزعيم إلى الضباط وقال لهم: أَلا ترون أنه لا يوجد أحد يهتمُّ بنا ويلتفت إلى أمورنا؟ هذا خالد العظم تسمعون صوته في غرفة الطعام وهو يضحك، ويطيل مدة بقائه، ولا يريد أن يستقبلنا». ثم خرج مع الضباط من منزل خالد العظم، معلناً سخطه وغضبه على رئيس الوزراء.

جاءني الزعيم بعدها إلى القصر، وقال: «هذا فيصل العسلي يجب إيقافه عند حدِّه!». فقلت له: «نحن نعمل اللازم، وأنت يجب أن تطوّل بالك...».

قال: «لم يعد بإمكاني الصبر. ليس فيصل العسلي وحده. البارحة كان وزير المالية حسن جبارة في المجلس، وقد طلب من النواب أن يمنعوا زيادة الرواتب التي كنت قد طلبتها لبعض الضباط. هل تعلم يا فخامة الرئيس لماذا طلبت هذه الزيادة؟ أنا لم أطلبها لبيت أبي، بل لأنشّطهم وأحفزهم ضد الصهاينة».

قلت: «لا داعي للقلق، كل ما تريد من مخصصات أنا على أتمِّ استعداد لأن أؤمّنها لك».

فأجابني: «ولكن وزير المالية رفض ذلك».

اتصلت فوراً بالسيد حسن بارة، واستدعيته إلى القصر، وقلت للزعيم أن ينتظره. وعندما جاء وزير المالية عرضت عليه الموضوع فقال: «الميزانية لا تساعد على زيادة في الرواتب الآن». ولما ألححت عليه وقلت إن هذا الأمر رجاء خاص من قبلي قال: «طيّب، سأعطيه زيادة لمدة 3 أشهر»، فقلت له: «اجعلها 9 أشهر يا حسن بك». فقاطعني الزعيم قائلاً: «يكفي 3 أشهر يا فخامة الرئيس، أنا راضٍ بـ3 أشهر»...

شكرني الزعيم على ما فعلته وانصرف، فودعته حتى باب المكتب مع حسن جبارة، ونزلا معاً إلى الدور الأول، برفقة معاوني العسكري النقيب سهيل العشي. وقبل أن أجلس خلف مكتبي لأتابع أشغالي، عاد الزعيم من دون استئذان ورمى بنفسه على قدمي. دهشت من هذا التصرف المشين وقلت له: «ماذا تفعل يا رجل؟».

قال: «أريد أن أقبِّل قدميك».

أمسكته من كتفيه ورفعته حتى قام وقلت له: «هذه الإبوليت (الكتّافيات العسكرية) فيها كل الشرف ولا يجب أن تنزل على الأقدام. قوم على حيلك».

بعد 5 أيام من هذه الحادثة، جاءني وفد أجنبي مؤلف من شخص فرنسي، وآخر أميركاني، وواحد تركي، ومعهم سكرتير الأمم المتحدة. أرادوا أن يتباحثوا معي فيما يتعلق بموضوع التسوية في فلسطين، فتشددت معهم في موقف سوريا، وقلت إنه لا يمكننا التساهل، وإن اليهود هم الذين تجاوزوا وتعدوا على العرب، وليس لهم حق البقاء في هذه الأرض. أضفت أن الحل الوحيد هو مغادرة اليهود للأراضي الفلسطينية، وإعادة أهلها الذين أجبروا على الهجرة.

طال الحديث بيننا، وانتهى من دون نجاحهم في إقناعي بما يرغبون. بعد 3 أيام جاءني العضو الفرنسي في هذا الوفد للتباحث في الموضوع نفسه، فقلت: «سنخرجهم بالسلاح، وإن لم نجد فبالحجارة، وإن لم نجد، فبإيماننا لأن هذه البلاد بلادنا ولها قدسيتها في أدياننا».

لم يمضِ على هذا الحديث سوى 3 أيام حتى وقع انقلاب حسني الزعيم، فهل كان هنالك رابط خفي، أو قطبة مخفية؟!