منذ أن اتخذ الملك فيصل قراره عام 1973 بحظر تصدير النفط لعدد من الدول، زاد حضور الرياض في الإعلام الدولي وصارت متابعة الشؤون السعودية الداخلية والخارجية شغلاً شاغلاً للصحافة العالمية.
ثم أتى عام 1979 حافلاً بتطورات هزَّت المنطقة؛ فسقط نظام الشاه في إيران، ووقعت حادثة اقتحام الحرم المكي، وجاء الغزو السوفياتي لأفغانستان. وكانت هذه الحوادث المتلاحقة، على اختلاف طبيعتها، تثير مخاوف مشروعة بشأن استقرار المنطقة وأمن الطاقة العالمي.
وفي عام 1985 حين تخلت الرياض عن دور «المنتج المرجح» داخل «أوبك» وانهارت أسعار النفط بعد ذلك، أصبح كل خبر يصدر من المملكة العربية السعودية أو عنها مادة للحديث عن ارتفاع أو انخفاض متوقع في أسعار النفط وتداعيات محتملة على الاقتصاد العالمي.
وكانت كارثة غزو الكويت عام 1990 بكل ما فيها من مآسٍ، وأحداث سبتمبر (أيلول) 2001 بتداعياتها، وما تلا ذلك من هجمات إرهابية داخل السعودية بدأت عام 2003، لتزيد من دائرة الاهتمام بالأخبار السعودية خصوصاً مع انتشار البث الفضائي ومن ثم الإنترنت.
ونشأ في خضم تلك الأحداث جيل من الإعلاميين والمراقبين الغربيين المهتمين بالشؤون السعودية، تفاوتت معرفتهم بها عمقاً وسطحية، وغلب على أكثرهم قراءة الشأن السعودي بأدوات كأنها صُممت لفهم دول أخرى.
ولأن الإثارة أكثر جذباً للقارئ من الرصانة، لم يكن الحديث عن الواقع السعودي الحقيقي مادة جاذبة للقراءة والاهتمام، ولم تخلُ مرحلة من تلك المراحل من توقعات غربية بأفول شمس المملكة العربية السعودية كأنها دولة حديثة النشأة لا دولة تمتد جذورها لثلاثة قرون واجهت أزمات وحروباً، وصمدت وخرجت من كل أزمة أصلب عوداً، رغم ضيق العيش وشح الموارد في الجزيرة العربية التي مرت بقرون ولم تعرف دولة مركزية بحجم وقوة الدولة التي أسستها أسرة آل سعود.
ففي الثالث من يونيو (حزيران) 1996، نشرت مجلة «تايم» الأميركية تقريراً تناول الدولة السعودية بعد العارض الصحي الذي تعرض له الملك فهد بن عبد العزيز أواخر عام 1995، وتطرق التقرير إلى توقعات وتحليلات تتعلق بمؤسسة الحكم وإدارة شؤون الدولة، وتنبؤات بما ستؤول إليه الأمور. ومن يقرأ تلك التنبؤات اليوم يجدها قاصرة عن فهم واقع الدولة السعودية وتاريخها، لا سيما إن قورنت بما نشرته مجلة «تايم» ذاتها في أبريل (نيسان) 1975 عن اغتيال الملك فيصل وما أظهرته الأسرة الحاكمة من تماسك ووحدة في ذلك الحدث الجلل.
وليس من المستغرب، بالأمس أو اليوم، أن يتساءل الإعلام عن وضع المملكة العربية السعودية والتهديدات التي تواجهها. إلا أن التشابه في مصادر التهديد التي تتعرض لها الدول لا يمكن أن يلغي الاختلاف بينها في التاريخ والبنية السياسية والاجتماعية والمنعة الداخلية.
ولعل النظرة الفاحصة إلى هذه المحطات تقودنا إلى ملاحظة تستحق التأمل، فإذا كان بعض المحللين الغربيين يقرأون الأزمات التي تواجه السعودية قراءة فاحصة ومتأنية، فلماذا أخفق كثير منهم في قراءة «الدولة السعودية» ذاتها؟
فلئن كانت قراءة أي أزمة تتطلب معرفة جذورها وأطرافها الحقيقية وموازين القوى المحيطة بها، فإن قراءة الدولة تقتضي فهماً بصيراً بتاريخها، وطبيعة مؤسساتها، والعقد الاجتماعي القائم فيها، ورصيدها السابق في التكيف مع المتغيرات ومواجهة التحديات.
وقد يصيب المحلل في تقدير خطورة التهديد، لكنه يخطئ حين يفترض أن النتيجة التي حدثت في بلد آخر ستتكرر بالضرورة في الداخل السعودي.
وربما كان للانحيازات الآيديولوجية نصيب في بعض تلك القراءات. ففي مرحلة صعود القومية العربية والاشتراكية، لم يكن مستغرباً أن يرى بعض المراقبين في الحركات الثورية صورة لمستقبل محتوم في المنطقة، وفي الملكيات العربية أنظمة آخذة في الأفول. لكن التاريخ لا يسير دائماً وفق التصورات الآيديولوجية، ولا تتحول الأفكار التي تحظى بالرواج في مرحلة معينة إلى حقائق سياسية لمجرد اتساع انتشارها.
وحين تتحول الآيديولوجيا من أداة لفهم الواقع إلى معيار للحكم عليه، يصبح التنبؤ أقرب إلى التعبير عن القناعة منه إلى استشراف موضوعي للمستقبل.
ولا يقتصر أثر القناعات المسبقة على مرحلة تاريخية بعينها؛ فقد تتغير الأفكار السائدة، بينما تبقى المشكلة المنهجية نفسها: قراءة الدولة من خلال نموذج نظري جاهز، بدلاً من الانطلاق من تجربتها الخاصة.
وثمة عامل آخر لا ينبغي إغفاله، وهو أن مكانة السعودية العالمية تؤثر في طريقة قراءة الغرب لأزماتها. فحين يكون في تهديد استقرار دولة تهديد مباشر لأمن الطاقة والأسواق والمصالح الاستراتيجية الدولية، يصبح السؤال عما يمكن أن يخسره العالم إذا اضطربت؛ أكثر حضوراً من السؤال عن قدرة تلك الدولة على تجاوز التهديد.
ولا يعني ذلك أن الصحافة الغربية تبنت موقفاً واحداً في قراءتها لحاضر السعودية ومستقبلها، ولا أن جميع توقعاتها أخفقت. فقد كانت هناك قراءات متباينة، بعضها أكثر دقة من غيره. كما أن التحديات التي رصدتها لم تكن كلها متخيلة، بل كانت أحياناً أخطاراً أعلنت عنها المملكة العربية السعودية وواجهتها فعلاً.
وفي عام 2016، ومع الإعلان عن «رؤية السعودية 2030»، نشرت مجلة «تايم» مقالاً في الثاني عشر من مايو (أيار) وصف خطة الإصلاح بأنها جريئة وحديثة، لكنها مرشحة للإخفاق. وبعد عشر سنوات، تشير التقارير السنوية للرؤية إلى أن 90 في المائة من مؤشراتها الرئيسة بلغت مستهدفاتها المرحلية أو تجاوزتها، على الرغم من أنه ما زال أمامها أربع سنوات لتبلغ أفقها.
وهذا المثال يُذكِّرنا بأن الحكم على التحولات الكبرى في بداياتها يختلف عن تقييم نتائجها بعد مرور الزمن، كما يُذكِّرنا بالفارق بين قراءة ما يجري، والجزم بما ستنتهي إليه الأحداث.
واليوم، مع ما تشهده المملكة العربية السعودية من استهداف للمقدسات والمطارات والمنشآت الحيوية من ميليشيا الحوثي الإرهابية، تعود الأسئلة المتعلقة بالأمن والاستقرار والآثار الاقتصادية إلى الواجهة. وهي أسئلة مشروعة، ولا يصح التقليل من شأن التهديدات التي تطرحها. لكن التجارب السابقة تدعونا إلى التمييز بين تقدير حجم الخطر والتسرع في الجزم بنتائجه النهائية.
لقد شهدت المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية تحولات إقليمية ودولية كبرى، وواجهت تحديات مختلفة المصادر والأدوات، ولم تكن استجابتها لها واحدة في كل مرة. وتاريخ أي دولة في صد الأزمات لا يمنحها حصانة منها، لكنه يفرض على من يتناولها أن يقرأها في سياقها الكامل.
وربما كان السؤال الذي يستحق الطرح، بعد كل هذه السنوات، ليس لماذا أخفقت أكثر توقعات الإعلام الغربي المتعلقة بالشأن السعودي؟ وإنما لماذا لم تدفع نتائج التجارب السابقة أصحاب تلك التوقعات إلى محاولة فهم حقيقة الدولة السعودية، وبالتالي مراجعة المنطلقات التي بنوا عليها قراءاتهم اللاحقة؟
