المسألة الثانية التي يجب عليَّ إيضاحها، هي عرض موقف الشيخ رشيد رضا الساخط والغاضب على المدارس العلمانية. في البداية، قالَ تعليقاً على كلام المسيو أرنولد الذي نقله محمد نجيب حفار من جريدة «البشير» عن طريق جريدة «الخرج»: «ليس أن يقذف ذلك الملحد تلك الأباطيل جهراً، فتنشر في الجرائد ولكن العجيب أن تسمح الحكومة العثمانية بنشر الكفر الصريح في المدارس والجرائد، وهي لا تكاد تسمح في الآستانة بانتقاد أحد من أصحاب السوء».
ثم التفت إلى كلام المسيو أرنولد ليرد عليه بآية قرآنية، هي: «إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ»، مقدماً شرحاً خاصاً لها يتصل بالواقع الإلحادي المعاصر، ليخلص إلى نتيجة مفادها «أن تعليم الملحدين ضار في الدنيا قبل الآخرة؛ لأن سعادة الدنيا لا تتم إلا بالدين، وأن الذين جربوا هذا التعليم في أوروبا بدأوا يجنون منه الحنظل والزقوم بزيادة الجنايات والجرائم فيهم. وإننا ننقل لك ما نشر في جريدة (الأخبار) في العدد الذي صدر في 26 جمادى الآخرة مؤيداً لذلك، وهو...».
المتن الأقوى والمفيد في رد الشيخ رشيد رضا هو المادة الصحافية التي نقلها من جريدة «الأخبار» والتي يمكن أن نضع لها عنواناً هو «جناية التعليم العلماني على المجتمع الفرنسي»، وكان الشيخ رشيد رضا نقلها تحت عنوان «التعليم اللاديني».
المادة الصحافية المنشورة في جريدة «الأخبار» هي مادة مترجمة، كما سنرى في تعليق الشيخ رشيد رضا الختامي. وما لم يحدده الشيخ رشيد أنها مترجمة من اللغة الفرنسية. وهذا الأمر سيتضح لنا من خلال الأسماء التي استشهدت المادة الصحافية بأقوالها في إدانة العلمانية الفرنسية الراديكالية أو المفاصلة، ومن خلال كتابين - يمثلان هذا الاتجاه - استشهدت بقولين وردا فيهما ينضحان بالعداء والعدوانية في التجديف على الله - تنزه اسمه عن التجديف والإساءة. هذان الكتابان هما: «التعليم الجمهوري» و«القوى الطبيعية». ومن الاتساق المنهجي والموضوعي أن تكون المادة مترجمة عن الفرنسية لا عن الإنجليزية؛ فموضوعها فرنسي، وتحديداً التعليم العلماني المنفصل عن الدين انفصالاً كاملاً وتاماً والذي أُسّس في فرنسا، بعد ما يزيد على العقد بقليل بعد تأسيس الجمهورية الفرنسية الثالثة. الجمهورية الفرنسية الثالثة تأسست في 4 سبتمبر (أيلول) 1870، والتعليم العلماني الموسوم باللادينية تأسس في 28 مارس (آذار) 1882.
مصادر المادة الصحافية مستمدة من اتجاهين متصارعين في فرنسا، هما: أنصار عودة نفوذ الكنيسة الكاثوليكية وعودة النظام الملكي. وأنصار الجمهورية، والمقصود بها الجمهورية الثالثة والدعاة إلى التعليم العلماني من أي أثر ديني حتى ولو كان شكلياً. والمسمى بقانون «جول فيري الثاني» والذي يقضي بالتعليم المجاني والإجباري الخالي من أي لمسة دينية.
وجول فيري هذا منظّر للاستعمار الفرنسي وللعنصرية. وسأقدم نتفة من المعلومات عن مصدر هذه المادة، وأعني بها جريدة «الأخبار»، لسببين:
الأول، شُحّ المعلومات عنها في الكتب المختصة بتاريخ الصحافة في مصر، وفي الكتب التي تحدثت عن رواد الصحافة المصرية الذين هم أصلا من لبنان.
والآخر، لإيضاح أنَّ الهجوم على الكلية العلمانية ببيروت هو في أصله هجوم مسيحي مشرقي بدأه الأب اليسوعي لويس شيخو والجريدة اليسوعية، جريدة «البشير» ثم تلقفه أولاً، المسلم الطرابلسي محمد نجيب حفار، وثانياً، الشيخ المسلم رشيد رضا. ولإيضاح أنه نزاع بين الكاثوليكية المحافظة والعلمانية المتجردة من الدين، بدأ من لبنان. وهو نزاع كان قائماً على قدم وساق في الجمهورية الثالثة في فرنسا في عقودها الأولى.
فالكلية العلمانية الفرنسية في بيروت التي أنشأتها «البعثة العلمانية» المعنية بنشر علمانية الجمهورية الفرنسية الثالثة خارج فرنسا، عام 1909، لم تكن لها غاية دينية مسيحية تبشيرية، كمدارس الآباء اليسوعيين الفرنسيين والمدارس البروتستانتية الأميركية. كما أنها فتحت أبوابها لقبول أعداد كبيرة من الطلبة المسلمين، شيعة وسنة، لتلقي التعليم فيها، لكسب ثقة المسلمين الذين كانت المدارس الدينية في لبنان ذات التوجه الديني المسيحي أهملت عمداً تدريس أبنائهم.
فاتني في أول حديث لي عن هذه الكلية في مقال «المدارس العلمانية بين الشيخ والأب» أن أوضح بأنَّها ليست كلية جامعية، بل هي مدرسة ثانوية، وهي المرحلة الدراسية التي تسمى اللغة الفرنسية «الليسيه». وهي موجودة إلى الآن في بيروت وقد تغير اسمها إلى الثانوية الفرنسية - الليسيه الفرنسي.
نأتي الآن للتعريف بجريدة «الأخبار».
أنشأ هذه الجريدة السياسية اليومية الصحافي اللبناني يوسف الخازن في القاهرة عام 1896. ومن المشهور أن آل الخازن مسيحيون موارنة. وعمل داود بركات مديراً لتحريرها. وضم الأخير نسيبه إبراهيم بركات للعمل معه في التحرير. والاثنان من عائلة مسيحية مارونية.
وهناك من كتب أنهما عاوناه في الإنشاء والتأسيس. وهناك من كتب - استناداً إلى ما هو مكتوب في ترويستها – أن منشئها ومالكها يوسف الخازن.
لجرأة يوسف الخازن في النقد السياسي كانت جريدته تتعرض للإيقاف. وقد تكون مدة الإيقاف طويلة.
اشتري أمين الرافعي منه هذه الجريدة عام 1920. وتوقفت مع وفاته عام 1927.
تبدأ المادة الصحافية بمقدمة تبيّن مناسبة أو سبب كتابة هذه المادة. المقدمة تقول: «بشرنا مُكاتب من الإسكندرية في (المقطّم) بأن نخبة من الماسون ورجال الجمعيات الأخرى شارعون في إنشاء مدارس للتعليم المطلق من كل سلطة دينية يعلمون فيها التلاميذ على مذهب ابن رشد. ورحب بهذا المشروع وأطراه وأمل فيه خيراً عظيماً، وسأل بلدية الإسكندرية أن تساعده مساعدة فعلية مادية، فرأينا والحالة هذه أن نقول كلمة في التعليم المشار إليه. نذكر فيها نتائجه في البلاد التي أقبلت ونبين حقيقته عِبرة لقوم يعقلون».
المُكاتب بلغة الصحافة في مطلع القرن الماضي هو المراسل الصحافي. والمراسل الصحافي هنا مراسل لجريدة «المقطم» من الإسكندرية. ويبدو أن أصحاب جريدة «المقطم»، يعقوب صروف وفارس نمر وشاهين مكاريوس الذين هم من البروتستانت المتحررين مرحبون بتأسيس مدرسة دنيوية في الإسكندرية.
محرر هذه المادة الصحافية يتحدث عن إنشاء مدرسة الليسيه الفرنسية في الإسكندرية بتاريخ 11 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1909. هذه المدرسة أنشأتها «البعثة العلمانية» بدعم من هيئة حكومية فرنسية هي وزارة التعليم. وكانت «البعثة العلمانية» قد أنشأت في الشهر نفسه، شهر أكتوبر من عام 1909 مدرسة دنيوية في بيروت، وهي الكلية العلمانية.
فتحمُّس الماسونيين في مصر لإنشاء مدرسة دنيوية في الإسكندرية لا يجعلهم هم منشئيها. ومن المنطقي أن يتحمَّس الماسونيون في كل مكان من العالم للتعليم الدنيوي بديلاً للتعليم الديني؛ لأنَّهم علمانيون ويتبنّون شعار الثورة الفرنسية: الحرية والإخاء والمساواة.
وبهذه المناسبة، أشير إلى أنَّ من بدأ الكتابة العدائية للماسونية في العالم العربي مسيحيون شوام، وتحديداً لاهوتيون محافظون. ومن الرواد في هذا المجال جريدة «البشير» اليسوعية والأب اليسوعي لويس شيخو.
أمَّا الإسلاميون، فلقد بدأوا بالكتابة العدائية للماسونية في وقت متأخر من انتشار الجمعيات الماسونية في بعض البلاد العربية.
من المؤكد أنَّكم قد لاحظتم أنَّ الشيخ رشيد رضا ذكر الشهر الهجري، وأهمل ذكر العام الهجري لتاريخ نشر المادة الصحافية في جريدة «الأخبار». والتي استعان بها للرد على كلام المسيو أرنولد، الذي نقله له الطرابلسي محمد نجيب حفار في رسالة وجَّهها له.
ومن مقدمة المادة الصحافية المنشورة في جريدة «الأخبار» عرفنا العام الذي نشرت فيه. هذا العام هو عام 1909.
في حين أن تاريخ نشر مادة الشيخ رشيد رضا كان - كما ذكرت في مقال سابق – 26 يوليو (تموز) 1911. وللحديث بقية.
