حنا صالح
صحافي وكاتب لبناني. رئيس تحرير جريدة «النداء» اليومية (1975 - 1985). مؤسس ورئيس مجلس إدارة ومدير عام راديو «صوت الشعب» (1986 - 1994). مؤسس ورئيس مجلس إدارة ومدير عام تلفزيون «الجديد» (1990 - 1994). مؤسس ومدير عام «دلتا برودكشن» لخدمات الأخبار والإنتاج المرئي (2006 - 2017). كاتب في «الشرق الأوسط».
TT

دينامية التحولات تمنع عودة لبنان إلى ما قبلها

استمع إلى المقالة

بعبوة من نحو 500 غرام من مادة «سي فور (C4)» الشديدةِ الانفجار، اغتيل الكاتب والمفكر الرؤيوي سمير قصير. وبعبوة مشابهة اغتيل جورج حاوي؛ القائد الرمز لـ«جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» التي انطلقت من بيروت لتحرير العاصمة ولبنان من الاحتلال الإسرائيلي. ووحدها الصدفة أنقذت حياةَ الإعلامية الشجاعة مي شدياق بعد تفجير سيارتها بعبوة مشابهة. وشَكلت مادةُ «سي فور (C4)» مع كرات الحديد العنصرَ الأساسيَّ في العبوات الناسفة التي اغتالت قادة كباراً ومؤثرين لبنانيين؛ من الرئيس رفيق الحريري، إلى الوزير محمد شطح.

تُرى مع 250 كيلوغراماً من هذه المادة ومثلها من الـ«تي إن تي (TNT)»، و350 كيلوغراماً من الكرات الحديدية، وهي الشحنة المصادَرة من قِبل الجهات الأمنية اللبنانية، كم اغتيالاً كان يُمكن أن يحدث؟ بالإضافة إلى التهديدات الأخرى من «حزب الله» ضد رئيس الجمهورية، جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام.

اعترف «حزب الله» بلسان النائب حسن فضل الله بأنه مالك شحنة المتفجرات، وبتحدٍ غير مسبوق؛ هدد رئيسَ الحكومة، داعياً إلى التراجع عن حظر العمل العسكري والأمني لـ«الحزب»، ومطالباً باستعادة الشحنة المصادرة (...)، وكأن لبنان مستودع أسلحة ومتفجرات للفرع اللبناني في «فيلق القدس» الإيراني. لكن بعد أكثر من أسبوعين على مصادرة شحنة الموت، ما زالت السلطة السياسية تنتظر نتائج توسع التحقيق (...)، فتتعامى عن مسؤوليتها في حماية أرواح اللبنانيين، رغم ما أثاره الحدث من قلق عام. وزراء «حزب الله» لم تَجرِ محاسبتهم، ولم تُحَل القضية إلى المجلس العدلي.

سبق للسلطة السياسية أن اتخذت قرارات جريئة بحصرِ السلاح في يد القوى الشرعية، وبرفعِ الغطاء عن «المقاومة»، وبحظرِها، لكن هذه القرارات لم تنفَّذ، رغم التمادي في حملات التخوين والتهديدات بالاغتيالات والتفجيرات والحرب الأهلية. فرأى «حزبُ الله» في تردد السلطة بشأن استخدام قوة الشرعية في وجه الخارجين عليها، فرصةً للمضي في سياسات تُضعِف الموقف الرسمي، معتمداً خطاباً خشبياً يدّعي «المقاومة»، وهي منذ التحرير في عام 2000 تحولت إلى «مقاولة» يُسنَد إليها تنفيذُ الجرائم على امتداد المنطقة. فتولت هذه «المقاولة» تدريبَ وإسنادَ ميليشيات الغدر الحوثية، وأُرسلت إلى سوريا لـ«إسناد» نظام بشار الأسد، وأخذت لبنان قسراً إلى حرب «إسناد» السنوار، وغدرت بالجنوب في حرب «إسناد» إيران والثأر لخامنئي، فاستدرجت الاحتلال مجدداً.

في التعامي عن أبعاد أداء «حزب السلاح الإيراني»، الذي كبّد الجنوب ولبنان الويلات، سذاجةٌ كاملة. من نهج التخوين، إلى الإصرار على استعادة شيء من القدرات، والمصادَرة المتكررة للسلاح والمتفجرات، هناك إصرار من النظام الإيراني على تقديم صورة مغايرة لواقع ما بعد كارثة «الطوفان»، تُبرز قدرته على إشعال المنطقة بوهم القدرة على كسر الإيقاع العام نتيجة الحصار الأميركي، وتطبيق واشنطن عقوبات مشددة وفق خطة «المنبوذ الاقتصادي». هنا ينبغي التوقف ملياً عند التزامن بين تمادي الميليشيات الحوثية في ارتكاب آثامٍ طالت المطارات والأعيان المدنية في السعودية، وما يجري في لبنان لإحداث إرباك كبير.العدوانية الإيرانية، عبر المتبقي من الأذرع، إذا كانت تكشف عن حقيقة رهانات النظام الإيراني التي لا تقيم وزناً لمصالح بلدان المنطقة وأمن شعوبها، فهي كذلك تكشف في لبنان عن محاولة ترمي إلى إعادة تمتين بنية «حزب الله» وتمكينه، خصوصاً مع اتساع المناخ في البيئة الحاضنة لـ«الحزب» الذي يحمّله المسؤولية عن نكبة البيئة الجنوبية. فبعد نداءات النبطية وصور، وبلدات جنوبية كثيرة، التي طالبت بالسلطة مرجعيةً وحيدةً، وبالسلاح الشرعي للحماية، كَشَف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «ليبانون ستاتيستكس» عن تراجع نوعي في نسب تأييد «الحزب» مع أكثر من 78 في المائة يضعون ثقتهم بالجيش، وأكثر من 66 في المائة يطالبون بتسليم السلاح اللاشرعي للشرعية، وجعل قرار الحرب والسلم من الصلاحيات الحصرية للدولة.

منذ أواخر عام 2023، خصوصاً بعد صواريخ الغدر في مارس (آذار) الماضي «إسناداً» لإيران وما جرّته من ويلات، تبدلت التوازنات الداخلية كما في الإقليم. لذا؛ لم يعد جائزاً للتركيبة السياسية، التي جاءت بأجندة واضحة: نزع السلاح والإصلاح، أن تبدو في موقع العجز عن القطع مع الماضي، والأخطر ما يظهر في بعض الأداء من رغبة في القطع مع المستقبل. ما من سلطة ترتضي تنظيماً مشارِكاً في الحكم، وفي الوقت عينه يدير ميليشيا مسلحةً خارجةً عن القانون تنفذ إملاءات خارجية، ويحدث ذلك رغم أن كل ديناميات ما بعد «طوفان الأقصى» تَحُول دون عودة عقارب الساعة إلى الوراء.

صار واجباً الخروج من زمن استرضاء الخارجين عن القانون. إن استقرارَ البلد والمضيَّ في متطلبات معادلة «الأرض مقابل السلاح»، التي أكدها «الاتفاق الإطاري» الثلاثي، لا يمران عبر المساومات والإفلات من العقاب واستباحة الدستور.