ما زالت حادثة طائرة «فلاي دبي» التي جرت على متنها محاولة دنيئة لإسقاطها ممن كان الواجب عليه توفير الراحة لركابها وضمان وصولهم آمنين لوجهتهم، وهذا هو الغدر الصريح المحرم في كل الفلسفات والأديان.
شرعنة الغدر ابتدأت مع خطابات جماعات الإسلام السياسي المبكرة، ومع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده اللذين خططا لاغتيال الخديوي عبر تفجير جسر عند مروره منه، ولم يمنعهما من ذلك إلا أنهما لم يجدا انتحارياً ينفذ مخططهما.
هذا المانع تجاوزته «جماعة الإخوان المسلمين» فيما بعد عبر الاعتماد على تنشئة الكوادر منذ الصغر على الكشافة وطبع الجندية مروراً بالبيعة للمرشد، وصولاً للنظام الخاص الذي يمتلك قسماً خاصاً يجبر العنصر الإخواني على تنفيذ التفجيرات والاغتيالات بمجرد أمر من عبد الرحمن السندي، الشاب المتهور الذي جعله حسن البنا قائداً للتنظيم السري.
وتلت ذلك تنظيمات سيد قطب الفاشلة ثم تنظيمات تلاميذه من بعده، التي سيطرت في السبعينيات ووسعت تبريرات الإرهاب، مثل «جماعة الجهاد» وتنظيم «الفنيّة العسكريّة» و«جماعة التكفير» التي كان يقودها على التوالي: محمد عبد السلام فرج، وأيمن الظواهري، وصالح سرية، ومصطفى شكري.
ثم تطور السياق إلى «الأفغان العرب» في الثمانينيات و«الجماعة الإسلامية» في التسعينيات بمصر، ثم تعولم الإرهاب عبر «تنظيم القاعدة» في العقد الأول من الألفية الجديدة، ثم ما كان يعرف بالربيع العربي مطلع العقد الثاني ثم «تنظيم داعش».
مع مراعاة دخول «النظام الإيراني» على الخط منذ نهاية السبعينيات، وصولاً لظفره بالتبعية الكاملة له من قبل كل الجماعات السنية السابقة وإخضاعها لطاعته وتعليماته.
أشهر محاولات تبرئة الإرهاب والتبرير له كانت تعتمد على «التفكير التآمري»، وهو ما جرى في التشويش على هذه الحادثة الخطيرة.
يجب على دولنا أن ترعى الجيل الجديد حتى يتعلم قبح الإرهاب وبشاعته وتوحشه، ولئن لم تشهد غالبية الجيل الجديد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) الفظيعة، فيمكنهم البحث عنها ليعرفوا ما كان يسعى له الإرهابي الذي أراد إسقاط الطائرة بمن فيها.
وليعلم الجيل الجديد أن الإرهاب لا يمكن أن يقوم إلا على «الغدر»، كما كتب عميد الأدب العربي طه حسين يوماً بعد حادثة السيارة الجيب، وكما جاء في الحديث النبوي الكريم «لكل غادر لواء».
ستتكشف الحقائق تباعاً، ولكن السعودية تعاملت مع الحادث بكل أبعاده تعاملاً احترافياً تاماً، بأبراج مراقبتها ومطارها في تبوك، وفي التعامل الإنساني الرفيع وإغاثة الملهوف، وتقديم كل أنواع الدعم للضحايا وإيصالهم إلى مأمنهم، كما هي أخلاق الإسلام وقيم العروبة الحقة.
في التحقيق ستتكشف الحقائق تباعاً بشكل عملي ومنهجي حتى الوصول للمعرفة بكل تفاصيل الحادثة.
كالعادة خرج بعض المهرجين العرب الذين يقدمون أنفسهم محللين سياسيين لكيلا يرفضوا الواقع وينكروا الحقائق بتفكير قديمٍ وبالٍ، يؤكد أن تطبيعاً جديداً يمكن إنتاجه عبر قتل عشرات ومئات المدنيين بغرض سياسي تافه لا يسكن إلا في ذهن هذا المهرج أو ذاك، وبخاصة حين يكون عربياً لا يعرف من قيم العرب النبيلة شيئاً ولا من الإنسانية إلا الادعاء والاستجداء المستمرين بوقاحة لا يمكن فهمها بشرياً.
هذا نموذج للإرهاب الحديث في شق منه لا يُبنى إلا على الغدر، والاختباء خلف المدنيين الأبرياء من شيوخ وعجائز وأطفال لتنفيذ عملياته، مثل كل ما كان يفعله «تنظيم القاعدة» و«تنظيم داعش» وهو الغدر الذي نظّرت له «جماعة الإخوان المسلمين» وانتقدها عليه جهيمان وجماعته «السلفية المحتسبة» وغيرهما.
أما الإرهاب الآخر فهو «إرهاب الميليشيات» وهو الإرهاب الذي اعتمد بكليّته على «توحش الأقليات»، أو تسليح وتثوير بعض من العرب لتشكيل عصابات مسلحة تخضع بالتمام والكمال لدولة غير عربية، بل ومعادية منذ عقود متطاولة.
أخيراً، فالحذر من الأعداء واجب دون شك، ولكن الحذر من المرتزقة فرضٌ، لأنهم يلبسون للناس لبوس الضأن ليغطوا قلوب الذئاب، والآيديولوجيا المتطرفة ليست «تطبيقاً» مفيداً ولا «ذكاءً اصطناعياً» فريداً، إنها أخطر من هذا كله، لأنها تستطيع تحويل الإنسان العادي مهما كان تخصصه وتميزه إلى قنبلة موقوتة تقتل الأقربين قبل الأبعدين.
