سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

لكنَّه لا يغلق الباب

استمع إلى المقالة

لي مشكلة قديمة ومزمنة وبلا حل في قراءة بعض الفلاسفة، أو بعض الفلسفيات. لذلك تركتها في حياتي كمشكلة شخصية عارضة، أشير إليها أحياناً من قبيل السخرية من الذات الضعيفة. وقد كتبت غير مرة مثلاً أنني لن آتي على ذكر ماكس فيبر وهايدغر وتوماس هوبز وفوكو والتفكيكية لأنني لا أفهم منها شيئاً.

وقد صمدت في هذا القرار، واكتفيت من هؤلاء الفلاسفة بما يكتبه كبار هؤلاء وما بعد الحداثة والحداثة نفسها لا قبلها ولا بعدها. والمريح في المسألة أنها كما قلنا شأن شخصي لا يؤذي أحداً.

بين كتابي المفضلين، الدكتور مأمون فندي، الذي يلون مقالاته بحكاية من الصعيد أو محاضرة من جورجتاون حيث تلقى دروسه العليا. لكن مقاله الأخير في البحث عن الخوارزمية وضعني في اختبار لم أعرف مثله في حياتي. إذ يبدو أن الكتابة عن الخوارزمية تتطلب الكلام عن فيبر وهايدغر وتوماس هوبز. فقط؟ لا ليس فقط. أقرأ ما يقوله كاتبنا: «ثم جاءت التسعينات وجاء الإنترنت. تعرفت إلى غوفر (...) وبدا أن نبوءة ما بعد الحداثة قد تحققت: ماتت القصة الواحدة وصار لكل إنسان منبر وصورة وحكاية. قال بودريار إن العلاقة قد تسبق الأصل وتحل محله، وشرح فوكو كيف تنتج السلطة أنظمة الحقيقة وفتح دريدا النص على اختلاف لا ينتهي، لكن ما لم ننتبه إليه أن تفتت الحكايات على مستوى المحتوى صاحبه تركز السلطة على مستوى التوزيع. فالخوارزمية لا تكتب السردية الكبرى القديمة، ولا تأمرك بتصديق قصة واحدة. إنها تفعل ما هو أخطر: تقرر أي القصص يظهر وبأي ترتيب. عند فوكو هذه سلطة تنظم مجال الرؤية. وعند فيبر عقلنة تحول الإنسان إلى أرقام قابلة للحساب ويسميها دولوز تحكماً لا يغلق الباب... أما عند هابرماس فكانت استعماراً للمجال العام».